الأحد - 30 نوفمبر 2025 - الساعة 09:12 م
حل الذكرى الثامنة والخمسون للاستقلال الوطني هذا العام، فتتحول فعاليات الثلاثين من نوفمبر في العاصمة عدن وسيئون إلى لحظة سياسية تتجاوز حدود الاحتفال التقليدي وتعيد تعريف المشهد الجنوبي بكل أبعاده. لم يكن خروج الناس إلى الساحات مجرد وفاء للتاريخ، بل إعلانًا جديدًا عن حاضر يتشكل، ومستقبل يُراد له أن يكون واضحًا ومختلفًا.
في عدن، بدت العاصمة كما لو أنها تستعيد نبضها القديم بثقة أكبر. فقد تدفقت الحشود في مشهد يعكس وحدة الإرادة الشعبية حول مشروع الدولة الجنوبية، ويؤكد أن عدن ـ رغم كل ما مرت به ـ ما تزال مركز القرار ورمز الهوية الوطنية الجنوبية. لم يكن الحضور الجماهيري مجرد تعبير عاطفي، بل موقف سياسي واعٍ مفاده أن الجنوب يمضي بثبات، وأن القيادة الجنوبية تمتلك شرعية الشارع وقدرته على فرض معادلات جديدة في الداخل والإقليم.
أما في مدينة سيئون، فقد جاء المشهد أكثر دلالة مما توقعه كثيرون. المدينة التي حاولت بعض الأطراف تحويلها إلى مساحة رمادية، خرجت لتجدد ارتباطها الطبيعي بالجنوب، وتثبت أن وادي حضرموت لا يمكن عزله عن ساحله. الفعالية هناك كانت بمثابة تصحيح سياسي ورسالة مباشرة بأن المحاولات القديمة لخلق انقسام لم تعد تنجح، وأن الصوت الجنوبي واحد مهما اختلفت الجغرافيا.
ومن خلال ما حدث في العاصمة عدن وسيئون، بدا واضحًا أن ذكرى الاستقلال هذا العام لم تعد مجرد مناسبة تاريخية، بل حدثًا سياسيًا يحمل رسائل متعددة الاتجاه. داخليًا، أكدت الفعاليات أن الوعي الشعبي الجنوبي أصبح أكثر تماسكًا وصلابة، وأن مشروع استعادة الدولة لم يعد شعارًا، بل رؤية يتشاركها الجميع. وللطرف اليمني الآخر، جاءت الرسالة حاسمة: الجنوب طرف حي وفاعل، وصوته لم يعد قابلًا للتجاهل أو الاختزال في أي تسوية قادمة.
أما على المستوى العربي والدولي، فقد أظهرت الفعاليات صورة ناضجة عن الجنوب كقوة استقرار وشريك مسؤول في محيط مليء بالتحديات. بدا أن إرادة الجنوبيين اليوم أكثر وضوحًا، وأن حضورهم السياسي يكتسب احترامًا متزايدًا كلما تأكدت قدرتهم على التنظيم والتعبير السلمي عن أهدافهم.
وهكذا، أصبح الثلاثون من نوفمبر هذا العام أقرب إلى استفتاء شعبي جديد، عبّر فيه الجنوبيون عن معنى الاستقلال الحقيقي؛ استقلال الإرادة، واستقلال القرار، واستقلال الهوية. لم يعد الحدث مجرد ذكرى تُستعاد، بل تأكيدًا على أن الجنوب يسير في طريقه بثبات نحو مستقبل يكتبه أبناؤه، ويضعون فيه كلمتهم أمام الداخل والخارج على حد سواء.
بهذا المعنى، تحولت ذكرى 30 نوفمبر إلى لحظة سياسية ناطقة، قالت فيها عدن وسيئون معًا إن الجنوب حاضر، واثق، ويمتلك مشروعه الذي لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه. إنها الذكرى التي تعود كل عام، لا لتذكّر بتاريخ مضى، بل لتعلن أن الإرادة لا تزال حيّة، وأن صوت الجنوب أعلى وضوحًا من أي وقت مضى.