كتابات وآراء


الإثنين - 16 مارس 2026 - الساعة 12:04 ص

كُتب بواسطة : حافظ الشجيفي - ارشيف الكاتب




ايها الخائن:
تريدني ان افتش لك عن مفردة بديلة في قواميس اللغة العربية او ابحث لك عن مخرج فقهي ينجيك من مقصلة هذا الوصف، وكانك تطلب من القاضي ان يسمي السارق فاعلا للخير لانه نقل الاموال من خزنة الحديد الى جيوب المحتاجين، غير ان الحقيقة المرة التي يحاول البعض تدثيرها بعباءات العقلانية المصطنعة لا تحتاج الى مجهر لتبدو واضحة كعين الشمس في كبد السماء، فالمسالة ليست مجرد وجهة نظر تحتمل الصواب والخطا بل هي زلزال ضرب القيم والارادة الشعبية التي فوضت المجلس الانتقالي ليكون لسان حالها وقبضتها الضاربة نحو استعادة دولة الجنوب وتحقيق استقلالها الكامل، وحين تحركت هذه القوات لتطهير تراب حضرموت والمهرة من دنس بقايا الاحتلال اليمني التي جثمت على صدورنا طويلا، فوجئنا بمن يطعن الظهر من حيث كان ينتظر المدد، فجاء التدخل السعودي بغاراته الجوية ليسحق الحلم ويقصف الجنود ويدمر العتاد ويعيد عقارب الساعة الى الوراء مفسحا الطريق لعودة قوى الهيمنة مرة اخرى، بل وتجاوز الامر حدود العبث العسكري الى محاولة تصفية الوجود السياسي الجنوبي برمته من خلال وفد الانتقالي في الرياض الذي اريد له ان يوقع شهادة وفاته بيده في سابقة لم يجرؤ عليها حتى اشد الاعداء خصومة، ومع ذلك نجد بيننا من يبرر هذا الصلف ويصفق لقرارات رشاد العليمي الذي لا يمثل الا ارادة المحتل حين اقال الزبيدي والبحسني واستبدلهما بدمى تحركها اصابع الوصاية في اجراءات انتقامية مفضوحة تهدف الى واد القضية الجنوبية في مهدها.
كيف يمكن لانسان يمتلك ذرة من كرامة او وعي وطني ان يبارك هذه الخطوات التي تستهدف اقتلاع جذوره ثم يدعي انه حريص على مصلحة الوطن، فانت حين تقف في صف العليمي وتبارك دعوات الحوار المشبوهة التي تطلقها الرياض بعد ان قصفت رجالك وشتت شملك، انما تمارس الخيانة في اقبح صورها، فالخائن ليس فقط من يحمل السلاح ضد اهله بل هو ذلك الذي يشرعن الجريمة ويمنح القاتل وثيقة البراءة ويحاول اقناع الضحية بان الذبح هو نوع من انواع الجراحة التجميلية، فمنطقك الذي يحاول اتهام الاخرين بالتخوين هو منطق مهزوم يحاول الهروب من مرآة الحقيقة، اذ لا يمكن ان تطالب الشعب بان ينعتك بالوطنية وانت تغرس خنجرك في خاصرة تطلعاته، فالمسميات لا تتبدل بتبدل الاهواء، ومن يرتكب فعل الخيانة عليه ان يتحمل ثقل الاسم ومرارة الوصف، فلا يوجد في قاموس الشرف منطقة رمادية تتسع للمتذبذبين الذين يبيعون دماء الشهداء وتضحيات الابطال مقابل رضا كفيل او منصب زائل، واعلم ان الشعب الذي سكب دمه انهارا في سبيل حريته لا يغفر لمن يساوم على هويته او يبارك تمزيق وحدته السياسية المتمثلة في مجلسه المفوض، فانت خائن بكل المقاييس والمعايير مهما حاولت ان تتجمل بزي الوطنية الزائف، والسبيل الوحيد لتبرئة ساحتك ليس بالصراخ والعويل بل بالانحياز الصادق والكامل لارادة هذا الشعب والابتعاد عن مواطن الشبهة التي تجعل منك مجرد اداة في مشروع تصفية الجنوب وقضيته العادلة.
اذ ان هذا التهافت على مباركة الخطوات السعودية والعليمية ليس الا اعترافا صريحا بالتبعية العمياء التي تفضل فتات الموائد على عزة الاستقلال، فكيف يستقيم عقلك وانت ترى سلاح الجو الذي قيل انه جاء لنصرة الشرعية يحول فوهاته نحو صدور ابناء الجنوب الذين حرروا الارض بدمائهم، ثم تاتي انت لتحدثنا عن ضرورة تغليب الحكمة، اي حكمة تلك التي تقبل بذبح الثائر وتكريم السجان، واي عقلانية تبرر استبدال القادة الحقيقيين بوجوه مستوردة لا تملك من امرها شيئا، فكل فعل من افعالك وكل كلمة تنطق بها لتاييد هذا العبث هي مسمار جديد في نعش وطنيتك المدعاة، فالخيانة ليست وجهة نظر سياسية يمكن مناقشتها على طاولة المفاوضات بل هي سقوط اخلاقي مدوي في وحل العمالة، واذا كنت تخشى وصف الخيانة فعليك اولا ان تكف عن ممارستها، فالتاريخ لا يرحم والمواقف لا تنسى، والجنوب الذي صمد في وجه ترسانة الاحتلال لن يسقط امام مؤامرات الغرف المغلقة او امام تبريرات المرجفين الذين يحاولون شرعنة الغدر، فكن جنوبيا بحق او اصمت للابد، لان وقوفك في صف الجلاد يجعل منك شريكا في الجريمة مهما حاولت الاختباء خلف كلمات براقة لا تسمن ولا تغني من جوع في ميزان الولاء والانتماء الحقيقي لهذا التراب الطاهر.
فهل تعتقد حقا ان الشعب سيفقد ذاكرته بمجرد ان تطلق الرياض دعوة لحوار جديد، او ان دماء الجنود الذين سقطوا بنيران غادرة ستبخرها الوعود الدبلوماسية الجوفاء، والحقيقة التي تتهرب منها هي ان كل خطوة اتخذت ضد المجلس الانتقالي كانت تهدف الى كسر ارادة الجنوبيين واخضاعهم للامر الواقع الذي يخدم اجندات خارجية لا ترى في الجنوب الا ساحة للمقايضة، وانت بوقوفك وتصفيقك لهذه الاجراءات اصبحت جزءا من المخطط، فلا تطلب منا ان نحترم رايك او نقدس صمتك، ففي معارك الوجود لا توجد حيادية ولا توجد انصاف مواقف، فاما ان تكون مع تطلعات شعبك واستقلال دولتك واما ان تكون مع القوى التي تسعى لابقائنا تحت عباءة التبعية والارتهان، فالخائن هو من يرى الحقيقة ويشيح بنظره عنها، ومن يسمع صراخ الضحايا ويصغي لنغمات القاتل، وانت فعلت كل ذلك واكثر، لذا فان تسميتك بالخائن هي الوصف الادق والاوضح الذي لا يقبل الجدل، لانك ببساطة اخترت ان تبيع اهلك في سوق النخاسة السياسية وتدعي بعد ذلك انك تبحث عن مصلحة الوطن، والوطن منك برئ ما دمت تبارك ذبحه من الوريد الى الوريد.