الأحد - 15 مارس 2026 - الساعة 02:00 ص
في هذا العصر الذي اختلت فيه موازين الرجال، واضطربت فيه معايير القيم، نجد انفسنا امام مشهد سياسي يقلب حقائق الاشياء رأسا على عقب ويجعل من الرذيلة شرطا للصعود، ومن الخساسة مؤهلا للحظوة، حتى اصبحت المناصب الحكومية والوجاهة الاجتماعية وقفا على زمرة من الاحياء الاموات، الذين تجردوا من كل سمة انسانية، واتخذوا من الغباء درعا، ومن الدناءة منهجا، فالمتأمل في شروط شغل المناصب في واقعنا المرير يدرك للوهلة الاولى ان الذكاء اصبح جناية، والوطنية اضحت تهمة، والترفع بات عائقا يحول بين المرء وبين بلوغ سدة الحكم، فالمطلوب اليوم هو ذلك المسخ الذي يسهل تسييره والتحكم في حركاته وسكناته، كأنه قطعة شطرنج في يد لاعب ماهر، لا يملك من امر نفسه شيئا، ولا يفقه من ابجديات السياسة الا ما يملى عليه من اوامر وتعليمات، ينفذها ببلادة منقطعة النظير، دون مراجعة او اعتراض، بل دون ادنى محاولة للفهم، لان الفهم في عرف الممولين الذين يقفون خلفهم يعد تمردا، والوعي يمثل خطرا يهدد مصالح القوى التي تصنعهم من العدم، وتنفخ في صورهم الخاوية لتجعل منهم قادة وهميين في زمن الزيف. فالكائن الذي يتصدر المشهد اليوم، هو في حقيقته شخص منبوذ في محيطه، مقطوع الصلة بمجتمعه، لم يكن في اكثر احلامه شططا يطمع ان يكون بوابا على اعتاب وزارة، فاذا به بقدرة قادر، وبفعل الانحطاط العام، يجد نفسه متربعا على كرسي المسؤولية، وهو يفتقر الى ابسط قواعد الاخلاق، ولا يعرف للغيرة على العرض او الوطن سبيلا، بل انه يعتز بوضاعته، ويرى في انقياده للجهات الخارجية ذكاء وشطارة، بينما هو في واقع الامر مجرد اداة رخيصة، ارتهنت كرامتها مقابل فتات الموائد، والامتيازات الزائلة، والهيلمان الكاذب الذي يحيط به نفسه ليواري سوءة اصله، وضآلة قدره، فهو اناني الى النخاع، يقدم مصلحته الشخصية الضيقة على مصالح شعب بأكمله، ولا يتردد في حرق الوطن لينير شمعة في بيته، اذ ان الضمير عنده كلمة لا وجود لها في قاموسه، والانسانية لديه ضعف لا يليق بالمتسلقين، والرجولة والاصالة معاني اندثرت تحت وطأة الجشع والتبعية المطلقة للجهة التي تمنحه المال والنفوذ، وتملي عليه ان يخون شعبه بدم بارد، وبابتسامة بلهاء تنم عن جهل مطبق بالحقوق والواجبات.
ولا يقتصر هذا الانحدار على الساسة وحدهم، بل امتدت هذه العدوى لتشمل ادعياء الاعلام ومن يسمون انفسهم بالمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، الذين ينطبق عليهم ذات الوصف، فهم صناعة مخبرية، جيء بهم من قاع المجهول، ليصبحوا ابواقا تردد صدى اسيادها، ويتم تلميعهم ودعمهم بالمال والاعجابات الوهمية ليضللوا الرأي العام، ويحققوا اجندات مشبوهة لا تخدم الا الممول، فهم والسياسيون سواء في الاستعداد للتقلب كالحرباء، والتلون وفقا لما تقتضيه المصلحة الانانية، بلا مبدأ ثابت، ولا قضية عادلة، فالغدر عندهم وسيلة، والعمالة لديهم وظيفة، والارتهان للخارج هو السبيل الوحيد للبقاء في دائرة الضوء، ومن هنا يتضح لكل ذي بصيرة ان الطريق الى القمة في هذا الزمن الاغبر لا يمر عبر العلم او الكفاءة او النزاهة، او الجدارة او الوطنية بل يتطلب من الساعي اليه ان يطرح كرامته جانبا، وينزع رداء المروءة، ويتحلى بالنذالة والحقارة، ويكون مستعدا لبيع وطنه في سوق النخاسة السياسي، ليكون عبدا مطيعا لمن يدفع اكثر، ومن هنا تتجلى مأساة الشعوب التي ابتليت بهؤلاء الاقزام الذين ظنوا انهم عمالقة، وما هم الا فقاقيع هواء ستنفجر يوما ما لتكشف عن قبح الوجوه وخيانة السرائر.