كتابات وآراء


السبت - 14 مارس 2026 - الساعة 04:07 م

كُتب بواسطة : د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب



تطل علينا الذكرى الحادية عشرة لتحرير عدن، تلك المدينة التاريخية بحضارتها ونضالاتها ومنارات فكرها وتاريخها العريق في الموسوعات التاريخية ومذكرات الرحالة وشواهد دالة على عراقتها.
حقًا هي عدن المدنية التي احتضنت على أرضها نواة الانتصار العظيم للمشروع العربي، فكانت منارة الأمل في وجه قوى الظلال والاحتلال التي ارتمت في أحضان مشروع فارسي لا ينتمي إلى العروبة بصلة.
وفي هذه المناسبة التي تستدعي التأمل العميق في مسار مدينة ظلت عنوانًا للوفاء والتضحية، لتجد نفسها اليوم على أجندات تعبث بها ومصير شعبها وبين من يريد أن يجعلها تحت وصاية للمساومة في ملفات إقليمية لا يكتوي بهذا العبث بمجمله الا عدن وشعبها، عدن بجنوبيتها في الهوى والهوية.

اليوم عدن بين طموح في احتفال يليق بتضحيات أبنائها، وبين محاولات ممنهجة للالتفاف على مصير قضية شعبها ومشروعه التحرري في استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.

لقد كانت عدن وسائر محافظات الجنوب العربي على موعد مع التاريخ الأكبر، إذ جادت بأبطالها وقادتها وشبابها ونسائها، وقدموا قوافل متتالية من التضحيات الباهظة الثمن، نصرةً لأهداف عاصفة الحزم وتجسيدًا حيًّا بالوفاء لتحالف العزم العربي ليكون وفيًّا بالعزم لمشروع عدن في استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة.

وعدن وهي على موعد مع الذكرى الحادية عشرة لانتصارها كان الأمل معقودًا على أن يثمر هذا العطاء في استعادة دولة الجنوب المحتلة، وأن تعود عدن عاصمة للجنوب العربي الفيدرالية ومنارة للسيادة والاستقلال، بعد أن دفع أبناؤها أثمن التضحيات في سبيل أن تبقى راية العرب خفاقة في سماء هذه الأرض الطيبة.

غير أن المفارقة القاسية التي تفرض نفسها اليوم، أن عدن التي تحلم أن تتزين بحلة العيد الوطني لاستقلالها بعد انتصارها على المشروع الإيراني الفارسي وأجنداته الحوثية والقوى الإخوانية المتخادمة معهم، لكنها وجدت نفسها أسيرة تناقض مذهل. فهي التي كانت وقود النصر وعنوانه، صارت موطنًا بديلًا لمن غزاها يومًا وترك أجنداته تعبث بتاريخها وأمنها ومستقبلها، منذ حرب 1994م وحتى العام 2015م. وما زلت أياديهم تعبث بها تحت إشراف التحالف إلى اليوم.

عدن في الذكرى الحادية عشرة لانتصارها تقول أني المدينة التي واجهت الموت والدمار والحصار بصبر أسطوري، ودفعت فاتورة الغالي والنفيس من خيرة شبابي وقادتي، الذين سطروا بدمائهم الزكية ملاحم الدفاع عنها ببطولة، بدعم وإسناد من أشقائهم في التحالف العربي السعودي الإماراتي، لتخرج منتصرة بعد معركة وجودية شرسة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة وإلحاح: كيف لعدن أن تنتصر ثم تظل رهينة بيد من يحكمها، ممن كان بالأمس القريب هاربًا لاجئًا في فنادق فارهة، تاركًا أرضه وشعبه لمليشيات الحوثي وعصابات الإخوان المتخادمة معهم، فإذا به اليوم يتحكم في القرار السيادي للمدينة، ويصبح المخول الوحيد الذي يقرر مصير قضيتها ومشروعها التحرري؟ إنها مفارقة عجيبة ومؤلمة، أن تصبح أدواتهم المحلية جنوبية الهوية ظاهريًّا، ولكنهم في حقيقة الأمر لا يملك أحد منهم قرار الانتصار لمشروع الجنوب الوطني الذي تريده عدن وتكون عاصمة له، بل صار وضعهم الجنوبي يمثل مشروع سلطة يتيمن بها عليها من كان بالأمس القريب أداة في قتل مناضليهم ونشطاء ثورتهم السلمية، وبات اليوم هو الوصي الذي يحدد مصير عدن ويقرر ما تريده في نصرة الهدف الذي ضحت من أجله بقوافل التضحيات.

لقد تحول الاحتفال بعيد النصر في عدن إلى ما يشبه مشروع إفطار خيري، فارغًا من مضامينه السياسية العميقة، ولا يليق بحجم التضحيات الجسام التي جادت بها عدن لتكون عاصمة القرار السيادي لدولة الجنوب التي ناضل شعبها من أجلها طوال ثلاثة عقود. وبعد أحد عشر عامًا من الانتصار الميداني، ما زالت عدن، التي انتصرت لقضية شعبها الجنوبي، وناصرت المشروع العربي بوفاء وإخلاص، جنوبية في هويتها وعربية في انتمائها، لكنها ما زالت رهينة في يد من يريد لها أن تظل موطنًا بديلًا للنازحين ومدينة حاضنة للهاربين من تحرير أرضهم.

وإذا كانت عدن على موعد مع الاحتفال بانتصارها، فإن هذا الحدث التاريخي يظل عالقًا في الذهن الجنوبي، ليس فقط لما تمثله المدينة من رمزية حضارية وثقافة راقية تمتد جذورها في عمق التاريخ، بل لأنها العاصمة السياسية للطموح الوطني الجنوبي والتطلعات الشعبية لاستكمال المشروع التحرري في استعادة دولة الجنوب العربي المستقلة كاملة السيادة. إنه الهدف الأسمى الذي ضحى من أجله الأبطال وقادتهم، وقدمت قواتها العسكرية والأمنية الملاحم تلو الملاحم، وكانت قيادة المشروع السياسي التحرري على رأس قوافل الشهداء والجرحى ورموزها الوطنية أصبحوا اليوم خارج المشهد السياسي مطاردين وشيطنوا نضالاتهم خوفًا من قوة التفويض التي منحها لهم الشعب لصدق الوفاء في تمثيل مصير الجنوب وعاهد شعبه بمقولة الخلود: عهد الرجال للرجال.

عدن ليست مجرد مدينة مأوى للنازحين، بل هي فكرة وقضية وهوية متجذرة وعاصمة متأصلة في وجدان الملايين من شعب الجنوب العظيم. إنها تلك المدينة الحضارية التي تجسد الثقافة والتمدن الراقي من جهة، والمشروع الوطني بوصفها عاصمة لذلك الطموح السياسي الذي لا يمكن التفريط به أو المساومة عليه من جهة أخرى. لقد قدمت عدن أنموذجًا فريدًا في التضحية والفداء، حيث كان أبطالها وقواتها العسكرية والأمنية على قدر المسؤولية، فسجلوا بدمائهم أروع آيات البطولة والفداء في سبيل أن تبقى راية الجنوب خفاقة.

وهنا تتصاعد أسئلة مشروعة وحائرة، تقولها عدن بلسان حالها في ءكرىعانتصارها الحادي عشر، أسئلة تبحث عن إجابة شافية:
إلى متى تظل عدن ومحافظات الجنوب موطنًا بديلًا لمن هرب تاركًا أرضه لمليشيات الحوثي وأذناب الإخوان المنحادمين معهم، ثم يريد اليوم أن يكون وصيًا على سيادة هذه الأرض وقرارها المصيري؟

إلى متى تظل عدن تواجه تدميرًا ممنهجًا وتدفع أثمانًا باهظة كل يوم، لتظل مجرد واجهة لشرعية هشة لا تملك غير مديريات محدودة في محافظتين، ثم تتحكم في مصير عدن ومحافظات الجنوب وثرواتها ومستقبلها؟

إلى متى يستمر شيطنة رموز الجنوب الوطنية وحاملو مشروعها السياسي التحرري، في الوقت الذي يصبح فيه من تسبب في العبث والتدمير ومن كان سببًا رئيسًا في تمزيق النسيج الاجتماعي موطنًا بديلًا يحاول الالتفاف على مصير قضية شعبها ونضاله الطويل؟

إلى متى تظل عدن ترزح تحت وطأة واقع مؤلم، حيث باتت شوارعها تزكم الأنوف بروائح مياه المجاري الآسنة، وخلت مدارسها وجامعاتها من الدراسة الحقيقية، وأصبحت الأسر تنتظر شفقة المنظمات الدولية والإقليمية، بدلًا من أن تنعم بخيرات أرضها وثرواتها التي تنهب أمام أعين الجميع؟

عدن اليوم، وهي تحتفل بالذكرى الحادية عشر من انتصارها التاريخي، ترسل رسائل سياسية عميقة بلغة النضال والكفاح والدم، رسائل يجب أن تصل إلى كل المعنيين دوليًا واقليميًا: عدن تريد أن تنتصر بانتصار مشروعها الجنوبي السياسي التحرري، وتريد أن تصبح عاصمة لهذا المصير الذي من أجله دفعت كل هذه التضحيات، وليس من أجل مناصب صار المتحكم بها من لا ينتمي إلى عدن ولا يؤمن بحقها في استعادة دولتها.

عدن اليوم ليست بناية يتم تلميع جدرانها بمسميات التنمية المزعومة، ولا واجهة إعلامية لتمرير صفقات مشبوهة على حساب قضية شعب مشروعة. عدن تريد أن تكون عزيزة بمجدها وتاريخ شعبها، تريد العيش الكريم من ثرواتها، تريد الانتصار لإرادة شعبها وكيانها السياسي الجنوبي المتمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي وقيادته الواعية والمفوضة من الشعب لا من الوصاية التي باتت واضحة التصرف حتى تفكيك قواتنا العسكرية والأمنية المرابطة على ثغور الوطن.

عدن تنتظر مشروعها السياسي التحرري الذي طال انتظاره، لا تريد سلة غذائية هنا أو كرتون مشمع بألوان هناك، ولا تريد تفريخ مكونات مشبوهة تجعل منها ساحة صراع إقليمي وعبث يمني دمر فيها الإنسان والبنيان والثقافة والمدنية والتعايش، وأحل فيها التطرف والإرهاب مكان التسامح والمحبة.

عدن يجب أن تعود إلى مجدها الذي عانق السماء بقوميتها العربية الأصيلة وحضارة شعبها العريقة وشجاعة أهلها في الدفاع عنها وعن مصير قضية شعبها، التي ترى اليوم من يعبث بها تحت مسميات جهوية ومزاعم تنموية وهمية لا تخدع أحدًا.

عدن يجب أن تنتصر، ولن تسكن عدن ومليونياتها تردد ما تريد والهروب من الاعتراف بحق سيادة عدن ولمشروع الجنوب في استعادة دولته المستقلة لن يجدي نفعًا. فهذه المدينة التي عرفت النضال السلمي والكفاح المسلح ودفعت ضريبة الدم الغالي، لن يقدر أي كان أن يجبرها أو يجبر محافظات الجنوب على التنازل عن سيادتها وهويتها الجنوبية وانتمائها العربي الأصيل.

إن عدن بتاريخها العريق وتضحياتها الجسام ومكانتها الرفيعة في وجدان كل جنوبي، أكبر وأعظم من أن تكون ورقة تفاوض أو موطنًا بديلًا لأجندات ضيقة تزعم بعض الأجندات أن حل قضية الجنوب سقفها السماء وعدن وأخواتها ترى كل يوم والدكاكين تفتح وتمول لتفتيت مشروع عدن السياسي الوطني الجنوبي. إنها تنتظر من أشقائها في التحالف العربي وقفة صادقة تليق بتضحيات شعبها، ليعود المشروع العربي فيها منتصرًا على كل محاولات الالتفاف والعبث، وتعود عدن عاصمة لجنوب عربي فيدرالي مستقل، يليق بحجم ما قدمته من قوافل الشهداء والدماء الزكية على مر العقود.

عدن القادمة ستكون حتمًا عاصمة دولة الجنوب العربي المستقلة، مهما طال الليل وحاولت أيادي الوصاية أن تبقى عدن تحت أيادي وأدوات تنفذ ما يقال، لا رجالات دولة تقرر ما يجب أن يقول الشعب، ومهما حاولت أيادي العبث أن تظل عدن تحت ظلام حكمهم فلابد لفجر السيادة أن يبزغ ولا ولم ولن تقبل عدن أن يكون على أرضها وقرارها وصيًّا كان من كان.