الإثنين - 16 مارس 2026 - الساعة 08:59 م
يحلّ السابع والعشرون من رمضان هذا العام حاملاً معه الذكرى الحادية عشرة لتحرير مدينة عدن من قبضة جماعة الحوثي، وهي مناسبة لا تستحضر مجرد واقعة عسكرية في سياق حرب معقدة، بل تستدعي واحدة من أهم اللحظات المفصلية في التاريخ السياسي المعاصر للجنوب. ففي ذلك اليوم لم تكن عدن تستعيد جغرافيتها فحسب، بل كانت تستعيد معناها السياسي والرمزي بوصفها مركزاً تاريخياً للهوية الجنوبية وحاضنة لمشروعها الوطني.
لقد جاءت معركة عدن في عام 2015 في سياق انهيار شامل في بنية الدولة اليمنية وتوسع عسكري غير مسبوق لجماعة الحوثي خارج نطاقها الجغرافي التقليدي. ومع وصول تلك القوات إلى عدن، تحولت المدينة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين مشروع يسعى إلى فرض واقع سياسي بالقوة، ومجتمع محلي وجد نفسه أمام لحظة دفاع وجودي عن هويته ومستقبله السياسي.
في تلك اللحظة التاريخية تبلورت ظاهرة المقاومة الجنوبية بوصفها تعبيراً مجتمعياً واسعاً تجاوز الأطر التنظيمية التقليدية. فقد شاركت فيها مختلف المكونات السياسية والاجتماعية الجنوبية، إلى جانب حضور واضح للتيارات السلفية وقوى الحراك الجنوبي التي لعبت دوراً بارزاً في الدفاع عن المدينة. وقد منح هذا التنوع للمقاومة طابعاً مجتمعياً شاملاً، جعلها أقرب إلى حركة دفاع وطني منها إلى تشكيل عسكري تقليدي.
لقد كشفت معركة عدن عن حقيقة طالما أكدت عليها دراسات الصراع السياسي، وهي أن المجتمعات التي تتحول فيها المعركة إلى معركة هوية ووجود تصبح أكثر قدرة على الصمود. فعدن لم تكن مجرد ميناء استراتيجي أو مدينة ذات أهمية اقتصادية، بل تمثل في الوعي الجنوبي رمزاً للكيان السياسي والتاريخي للجنوب، الأمر الذي جعل الدفاع عنها دفاعاً عن الذات الجمعية لمجتمع كامل.
ومع ذلك، فإن القراءة الموضوعية لتلك المرحلة لا يمكن أن تغفل الدور الحاسم الذي لعبه التحالف العربي في ترجيح كفة المعركة. فقد أسهم الدعم اللوجستي والعسكري الذي قدمته كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في خلق التوازن العسكري الذي مكن المقاومة الجنوبية من تثبيت مواقعها وتطوير قدراتها القتالية. وبذلك أصبحت معركة تحرير عدن مثالاً واضحاً على التفاعل بين الإرادة المحلية والدعم الإقليمي في إدارة الصراعات المعاصرة.
لكن الأثر الحقيقي لذلك الانتصار لم يتوقف عند حدود المعركة ذاتها، بل امتد ليعيد تشكيل المشهد السياسي في الجنوب. فقد أسهم تحرير عدن في إعادة إحياء الوعي السياسي الجنوبي وتعزيز حضور القضية الجنوبية في الإقليم والعالم، بعد سنوات طويلة جرى خلالها التعامل معها بوصفها قضية حقوقية أو احتجاجية محدودة الأفق.
إن التجارب التاريخية تشير إلى أن اللحظات العسكرية الفاصلة غالباً ما تفتح الباب أمام تحولات سياسية عميقة، وهو ما حدث بالفعل في الجنوب بعد عام 2015. فقد بدأ الزخم الشعبي الذي ولدته معركة عدن يتحول تدريجياً إلى مسار سياسي يسعى إلى تنظيم التعبير عن تطلعات الجنوبيين ضمن أطر مؤسسية أكثر وضوحاً.
وفي هذا السياق برز دور المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه أحد أبرز التعبيرات السياسية عن التحولات التي شهدها الجنوب بعد تحرير عدن، حيث سعى إلى ترجمة تضحيات المقاومة إلى مشروع سياسي يعبر عن تطلعات شريحة واسعة من أبناء الجنوب. كما لعبت قيادة المجلس، وفي مقدمتها الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، دوراً في نقل الزخم الذي صنعته المقاومة من الميدان العسكري إلى الفضاء السياسي، في محاولة لبناء رؤية سياسية أكثر تنظيماً لمستقبل الجنوب في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
غير أن استحضار هذه الذكرى لا ينبغي أن يقتصر على استعادة مشاهد الانتصار، بل ينبغي أن يكون مناسبة لقراءة الدروس العميقة التي أفرزتها تلك التجربة. فقد أثبتت معركة عدن أن وحدة المجتمع الجنوبي هي العامل الحاسم في مواجهة التحديات، وأن تماسك الجبهة الداخلية يمثل الضمانة الأساسية للحفاظ على أي إنجاز سياسي أو عسكري.
كما أكدت تلك التجربة أن الموقع الجيوسياسي للجنوب، بما تمثله عدن من أهمية استراتيجية في قلب طرق الملاحة الدولية، يجعل استقرار هذه المنطقة قضية لا تهم الجنوبيين وحدهم، بل ترتبط أيضاً بحسابات الأمن الإقليمي والدولي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
إن الذكرى الحادية عشرة لتحرير عدن ليست مجرد محطة لاستعادة الماضي، بل لحظة تأمل في مسار بدأ بالمقاومة الشعبية وانتهى إلى تشكل مشروع سياسي يسعى إلى صياغة مستقبل مختلف للجنوب. وبين تلك اللحظتين تمتد قصة مجتمع اختار أن يواجه تحدياته بإرادة جماعية، وأن يحول معركة الدفاع عن مدينته إلى نقطة انطلاق نحو إعادة تعريف موقعه في معادلات السياسة في المنطقة.
ولهذا فإن المعنى الأعمق لذلك اليوم من رمضان لا يكمن فقط في أنه يوم انتصار عسكري، بل في كونه اليوم الذي اكتشف فيه الجنوبيون مرة أخرى قوة إرادتهم حين تتوحد، وقدرتهم على صناعة لحظاتهم التاريخية بأيديهم.