الأحد - 04 يناير 2026 - الساعة 08:42 م
يا رشاد العليمي،
يمكنك أن تمضي في خياراتك كما تشاء، وأن تستعين بمن شئت من الشمال أو من غيره، لكن عليك أن تدرك حقيقة راسخة لا تقبل المساومة:
أن دماء شهداء الجنوب لم تكن مجرد تضحيات عابرة، بل كانت حدوداً وهوية، وعهداً كُتب على هذه الأرض قبل أن يُكتب في أي وثيقة سياسية.
لقد تعرّف أبناء الجنوب على وطنهم من رائحة دماء آبائهم الزكية، التي امتزجت برمال هذه الأرض الطاهرة، فصارت الأرض تعرف أبناءها، ويعرفها أبناؤها.
ومن أراد وطناً، فعليه أن يحمي وطنه، لا أن يجعل من أوطان الآخرين مسرحاً لصراعاته أو ملاذاً لفشله.
إن الجنوب لم يعد أرضاً مستباحة، ولا ساحة مفتوحة للتجارب أو التسويات المؤقتة.
لقد أصبح محكوماً بحرمة الدم الذي سُفك ظلماً، وبالذاكرة الجمعية التي لا تنسى، وبإرادة شعب دفع أثماناً باهظة كي يبقى واقفاً.
لقد استقبل أبناء الجنوب كثيرين بقلوب واسعة، متجاوزين جراحاً عميقة، ومتغاضين عن صفحات سوداء من القتل والتنكيل، أملاً في طي الماضي وبناء مستقبل مختلف.
لكن كلما بدأت الجراح تلتئم، عادت السياسات نفسها لتُفتح من جديد، وكأن الألم الجنوبي لا يُراد له أن يشفى.
إن إرادة الشعوب لا تُقهر، وإرادة أبناء الجنوب على وجه الخصوص لم تُكسر يوماً، ولن تُكسر، لأنها ارتبطت بهدف واضح:
استعادة دولتهم المسلوبة، وحقهم المشروع في تقرير مصيرهم.
أما الاتفاقيات التي كُتبت فوق معاناة الجنوبيين، أو وُقّعت دون إنصافهم، فهي – في وعي الشارع الجنوبي – لم تتجاوز كونها حِبراً على ورق.
فالوثيقة الحقيقية التي يعتدّ بها أبناء الجنوب، كُتبت بالدم، على صفحة الأرض، وستبقى راسخة في القلوب كما هي راسخة في التراب.
لقد دخل الجنوب مرحلة جديدة، مرحلة العهد الذي لا رجعة عنه:
عهد الوفاء لتضحيات الشهداء،
وعهد الحماية للأرض والهوية،
وعهد بناء دولة تُدار بالإرادة الشعبية، لا بالوصاية أو الفساد أو إعادة إنتاج الأزمات.
ولم يتبقَّ بين أبناء الجنوب الأحرار وبين قيام دولتهم المنشودة سوى استكمال هذا العهد الوطني الجامع، القائم على حماية الأرض، وصون الدم، ومواجهة كل أشكال العبث السياسي والفساد الذي أنهك الجنوب تحت مسميات زائفة.
إن عهود الدم لا تُمحى، ولا تسقط بالتقادم،
وما كُتب بالتضحية سيُصان بالإرادة،
وما زُرع بالشهادة سيُحصد دولةً، وسيادةً، وكرامة.
د. طارق مزيدة