المجلس الانتقالي الجنوبي: نرحب بمشاركة كافة المكونات الموقعة على الميثاق الوطني في اي حوار يخدم قضية الجنوب

إعلان المرحلة الانتقالية واستعادة الدولة.. انفوجرافيك

البيان المشترك الصادر عن أعضاء مجلس القيادة الرئاسي..انفوجراف



كتابات وآراء


الأحد - 04 يناير 2026 - الساعة 12:32 م

كُتب بواسطة : أحمد عبداللاه - ارشيف الكاتب




مسيرة القضية الجنوبية لا تُقاس فقط بحجم ما تحققه من مكاسب، بل بالقدرة على التعلّم من الصدمات وامتصاصها دون التفريط في جوهرها أو الانزلاق إلى ردود متسرعة.

لا مكان لانفعالات اللحظة؛ فالحدث ليس طقساً فولكلورياً، ولا مشهداً درامياً يُستدرّ فيه التفاعل العاطفي. ما جرى كان معركة عسكرية، وما تمخض عنها جاء نتيجة تدخل المملكة السعودية واستخدام كثيف ومفرط لسلاحها الجوي المتطور، الأمر الذي فرض على قوات جنوبية أن تتراجع من جغرافيا عمليات مكشوفة.

هذا الواقع، مهما كانت نتائجه الميدانية، لا يمكن توصيفه نصراً لمن يسعى إلى تسويقه على هذا النحو. لأن التدخل السعودي أخلّ بميزان القوة وشروط المواجهة المتكافئة. فالتفوق الجوي حين يستخدم خارج منطق التناسب والضرورة، لا يمنح حسماً مستداماً وإنما يصنع واقعاً مشوهاً.

كما أن تقدّم تشكيلات من قوات تتبع تنظيم الإخوان وغيرها على ظهر الصحراء، تحت غطاء جوي مباشر، لا يعكس قدرات ذاتية بقدر ما يعبّر عن اعتماد كامل على القوة الجوية التي لولاها لكان مصير تلك الجموع الإنكسار السريع. وهو ما يضع الحدث في سياقه الحقيقي، بعيداً عن محاولات التضليل أو الاستثمار الدعائي.

بالتأكيد كانت لدى القيادات الجنوبية قراءات مختلفة لما سيترتب على إزاحة المنطقة العسكرية الأولى وغيرها، التي جرت في زمن قياسي، وربما أساء البعض تقدير مستوى العنف الذي سيُمارسه سلاح الجو الملكي، وهو عنف بلغ درجة من الغطرسة والتوحش لم تكن في حسبان كثيرين، إضافة إلى ما قامت به المملكة (نتيجة تأثيرها) من حشد بيانات الدول والمنظمات، وعواصف إعلامية وتضليل غير مسبوق، وكأنها تدشن حرباً كونية.

هذه اللحظة، بما تحمله من مفارقات فجّة، ليست مجرد واقعة عسكرية عابرة، بل محطة تاريخية كثيفة الدلالة، يتعيّن على الباحثين والمختصين التوقف عندها طويلاً. فهي تكشف كيف تختزل دول كبيرة قضايا الشعوب، عبر إدراجها قسراً داخل مصفوفة مصالح، يُعاد فيها تعريف الحليف والخصم، والشرعية والتمرد، وفق مقتضيات الحاجة لا وفق منطق الواقع أو التاريخ. وفي هذا الاختزال، لا تُحرَّف الوقائع فقط، بل يُعاد تشكيل الوعي ذاته، ليغدو الصراع أقل ما يكون صراع مصير داخلي، وأكثر ما يكون صراع نفوذ يدار من خارج الجغرافيا وأهلها.

ما نعيشه اليوم هو محطة سياسية دقيقة، تفرض تعاملاً عقلانياً ومسؤولاً مع الواقع، وإعادة ترتيب الصف، وصياغة خطاب سياسي أكثر نضجاً وحنكة؛ خطاب يستوعب التحولات دون أن ينكسر أمامها. فقضية الجنوب، في جوهرها، راسخة وعميقة الجذور، ومسنودة بإرادة شعبية لا تُختزل في معركة واحدة أو ظرف عابر.

الشعب الجنوبي سيواصل طريقه نحو تحقيق تطلعاته بمختلف الوسائل الممكنة، مدركاً أن التحالفات ليست كيانات ثابتة، بل ديناميات متغيرة تحكمها المصالح والظروف، وهذه هي طبيعة السياسة في لحظات التحول الكبرى.

إن تجاوز الوضع الراهن يتطلب قدراً أعلى من الصبر، والتماسك الداخلي، والوعي بخطورة الانجرار خلف من يسعى إلى الاستثمار في مواقف المملكة ونتائج معارك حضرموت لإضعاف معنويات الصف الجنوبي. فالرهان الحقيقي ليس على ردود الفعل الآنية، بل على القدرة على الصمود، وإدارة الصراع بعقل وحكمة ونَفَس طويل، يضع القضية فوق كل الاعتبارات الظرفية.