الخميس - 17 سبتمبر 2026 - الساعة 10:18 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ خاص
كتب / د. ياسر باحاج
تشرق من الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية، من عدن الحاضرة المدنية إلى حضرموت عمق التاريخ، ملامح شخصية إنسانية فريدة، صاغتها قيم الكرم، الشجاعة، الإيثار، والأمانة المطلقة.
هذه الشخصية التي تميز بها أبناء الجنوب العربي لم تكن يوماً حبيسة الجغرافيا، بل امتد أثرها ليصبح حجر أساس في بناء وتنمية دول الخليج العربي، تاركةً بصمة من الوفاء الأبيض الذي لا يعرف المكر أو الخيانة.
فالإنسان في حضرموت (الجنوب) إذا عاهد أوفى، وإذا استُؤمن صان، وهو ما جعله الشريك الأوثق للأشقاء في الخليج.
من الكرم، الشجاعة، والإيثار
تتشكل الشخصية الجنوبية من مزيج بيئتين: عدن بمنارتها الثقافية وقبولها للآخر، وحضرموت بوقارها، وأمانتها، وحكمتها التجاريّة، ليس الكرم لديهم مجرد بذل للمال، بل هو إيثار بالروح وتقديم مصلحة الشقيق والحليف. والتاريخ يذكر كيف فتحت بيوت عدن وحضرموت لكل عابر سبيل، وكيف تقاسموا لقمة العيش في أشد الظروف.
شجاعة لا تقوم على الغدر أو المباغتة، بل هي شجاعة المواقف والثبات على المبدأ. فالجنوبي لا يطعن في الظهر، ولا يغير بندقيته تبعاً للمكاسب الآنية، بل يظل درعاً لحليفه في السراء والضراء.
لقد كان لأبناء الجنوب عامة دور ريادي لا ينكره منصف في بناء دول الخليج العربي منذ بدايات القرن الماضي، وقبل الطفرة النفطية، أسماء وعائلات حضرمية بارزة أسست للنهضة التجارية والمصرفية في السعودية والإمارات وبقية دول الخليج. هؤلاء لم يكونوا مجرد تجار، بل ساهموا في شق الطرق، بناء البنية التحتية، وتأسيس النظام المصرفي الأول بأمانة شهد لها ملوك وأمراء الخليج.
كانت عدن في الخمسينيات والستينيات مركزاً إشعاعياً، وهاجر كبار معلميها وإدارييها إلى الخليج (خاصة الكويت والسعودية والإمارات والبحرين) للمساهمة في تأسيس المدارس الأولى والدلائل الإدارية للدول الناشئة، ناشرين الفكر المدني والالتزام الوظيفي.
يُروى في المأثور الخليجي عن الملك عبد العزيز آل سعود تقديره العالي للأمانة الحضرمية، حيث كان يأتمنهم على الأموال والتجارة لعلمه أن "الحضرمي لا يخون أمانته ولو كان فيها فناء ماله".
في العصر الحديث، تجلت هذه الأخلاق في خنادق الشرف، حين اختلط الدم الخليجي بالدم الجنوبي، أثبت المقاتل الجنوبي أنه الحليف الصادق الذي لا يساوم ولا يمارس "التقية السياسية" أو الخبث مع التحالف العربي.
خاضوا المعارك بصدق، وحموا ظهر حلفائهم، بخلاف من مارس المكر، والولاءات المزدوجة، والانسحابات التكتيكية لخدمة أجندات مشبوهة.
حليف أبيض في زمن التقلبات
إن استقراء التاريخ والواقع يؤكد أن الإنسان في الجنوب يحمل جينات ثقافية ترفض الغدر؛ فهو ينتمي لثقافة البحر والتجارة والانفتاح التي تقوم على السمعة الطيبة والائتمان، بعكس البيئات السياسية المعقدة التي أفرزت طباعاً متقلبة لا تؤمن عواقبها.
ولذلك، يظل الموطن الجنوبي، عبر عقود من الزمان، هو الأخ السند، والحليف الوفي، واللبنة المباركة في جسد الأمة العربية والخليجية.
يتسم المشهد السياسي والتاريخي في العلاقات بين الجنوب العربي والمحيط الإقليمي، لا سيما مع السعودية، بالكثير من التعقيدات والتحولات التي تركت أثراً عميقاً في وجدان الشارع الجنوبي. وفي سياق القراءة النقدية للأحداث، نرى نحن أبناء الجنوب أن هناك عتباً ولوماً سياسياً كبيراً يُوجه لبعض السياسات الإقليمية، حيث تم تغليب التوازنات على حساب تطلعات الشعب الجنوبي وركزت في كثير من المحطات على الحفاظ على توازنات سياسية معينة في صنعاء أو مع قوى شمالية، على حساب الاعتراف الصريح والمباشر بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته، رغم كل التضحيات التي قُدمت على الأرض. بالإضافة الى اهمال الجنوب وتدهور الأوضاع المعيشية والخدمية، حيث أن التدخل الإقليمي لم يثمر عن حلول اقتصادية جذرية ومستدامة تتناسب مع حجم الشراكة والوفاء الذي أظهره الجنوبيون في جبهات القتال. ويتم ترحيل القضية الجنوبية في جولات المفاوضات السياسية المختلفة، ومحاولة حصرها في أطر ضيقة، إن هذا العتب ينطلق في الأساس من أرضية الوفاء والشراكة المعمدة بالدم؛ حيث يرى أبناءالجنوب عامة أن من حقهم على الأشقاء والشركاء تقديراً أكبر لمواقفهم الثابتة، ودعماً مباشراً يحقق الاستقرار والتنمية ويحترم الإرادة الشعبية الحرة.
عندما يقابل الحليف الجنوبي بالجحود والغدرفي ختام هذا السرد التاريخي لشخصية الموطن الجنوبي، والتي عُمدت بالصدق والأمانة والدم المشترك في خنادق الشرف، لا يمكن للمراقب المنصف أن يغفل الغصة المريرة والحرقة التي يعيشها الشارع الجنوبي اليوم جراء ما يوصف بـ "الغدر والخذلان" الذي واجهه من قِبل الشقيقة الكبرى والمحيط الإقليمي. فبينما قدم أبناء الجنوب أبهى صور الوفاء والتضحية، وصدوا الأخطار المحدقة بالمنطقة في أسرع وقت وبأقل الإمكانيات، جوبه هذا السجل الأبيض بسياسات التفافية طعنت الشريك الجنوبي في خاصرته.تتجلى ملامح هذا الغدر والخذلان في شواهد حية يكتوي بنارها المواطن الجنوبي يومياً من تدهور ملف الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والانهيار المتسارع لعملته المحلية في، والذي لا يمكن أن يكون مجرد عجز اقتصادي، بل هو سياسة عقاب جماعي ممنهجة ومباركة لتركيع شعب الجنوب وإشغاله بلقمة عيشه عن مشروعه الوطني، متناسين أن هذا الشعب هو من حمى حدودهم وصان عهدهم.
في الوقت الذي قدم فيه الجنوبيون آلاف الشهداء لتطهير أرضهم، مارست السياسة الإقليمية مناورات حثيثة لإعادة تمكين القوى والرموز التي لطالما تآمرت على الجنوب وارتكبت المكر والخيانة، محاولةً فرضهم مجدداً كأوصياء على المقدرات الجنوبية عبر اتفاقيات سياسية هشة ومجحفة.
حيث قوبلت الأمانة الجنوبية المطلقة بمكر سياسي، واستُغِل صدق الحليف الجنوبي لتمرير أجندات خاصة سرعان ما انقلبت عليه لتتركه يصارع الأزمات المفتعلة.
ورغم كل هذا الخذلان، يثبت التاريخ أن شعب الجنوب، يمتلك من الإرادة والصلابة ما يمكنه من انتزاع حقوقه، مدركاً اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الوفاء لا يجب أن يكون على حساب الكرامة والسيادة الوطنية.