الأربعاء - 09 سبتمبر 2026 - الساعة 09:16 م
عندما يُطلب مني أن أقاتل، فإن أول سؤال يفرض نفسه عليّ ليس: أين المعركة؟ ولا: من هو العدو؟
بل أسأل ببساطة ووضوح:
عمن أقاتل؟ ومن أجل ماذا؟
هل أقاتل من أجل عودة رشاد العليمي ومنظومة ما تسمى بـ«الشرعية» إلى عدن؟
هل أقاتل من أجل إعادة تدوير الوجوه نفسها التي عجزت طوال سنوات عن بناء دولة، أو حتى توفير أبسط مقومات الحياة للناس؟
هل أقاتل لكي تبقى الوصاية السعودية على أرضي، ويظل قرارنا السياسي والعسكري مرهونًا بإرادة الخارج؟
وهنا أقولها بلا مواربة:
لا.
أنا ابن هذه الأرض، ولست جنديًا في مشروع غيري، ولا أرى أن دماء الجنوبيين يجب أن تُستخدم لإعادة إنتاج واقع سياسي انتهى عمره الافتراضي.
لقد مضى أكثر من عقد على الحرب والتدخلات والتحالفات، والسؤال المشروع الذي يحق لنا طرحه اليوم هو:
ماذا قدمت لنا السعودية، نحن أبناء المناطق المحررة، طوال هذه السنوات؟
أين الدولة؟
أين الخدمات؟
أين الرواتب المنتظمة؟
أين الأمن؟
أين مؤسسات الدولة؟
أين التعليم والصحة؟
أين الحياة الكريمة التي قيل لنا إن الحرب جاءت من أجلها؟
لا أطرح هذه الأسئلة بحثًا عن خصومة مع السعودية، وإنما لأن من حق المواطن أن يحاسب النتائج لا الشعارات.
فإذا كانت الحرب قد استمرت كل هذه السنوات، وكانت «الشرعية» مدعومة إقليميًا ودوليًا، فلماذا بقيت المناطق المحررة تعاني من غياب الدولة وتدهور الخدمات والرواتب والأمن، بينما تحولت الحرب نفسها إلى واقع دائم تتبدل فيه الوجوه ويبقى المواطن هو الخاسر الأكبر؟
وفي المقابل، لا يمكنني أن أتجاهل حقيقة أخرى، حتى لو اختلفت معها سياسيًا وفكريًا:
الحوثي، المحاصر من دول وقوى عديدة، استطاع أن يبني سلطة متماسكة في المناطق التي يسيطر عليها، وأن يحافظ على قدر من استقرار العملة مقارنة بالمناطق الأخرى، وأن يفرض نظامًا مركزيًا واضحًا، وأن يمنع تعدد مراكز القوى والمشيخات المسلحة من ابتلاع مؤسسات الدولة.
وهذا لا يعني أنني مع الحوثي.
على العكس تمامًا.
أنا أختلف معه في قضايا جوهرية، وفي مقدمتها تمسكه بالوحدة ورفضه الواضح لمشروع استقلال الجنوب.
لكن علينا أن نفرق بين الاختلاف السياسي وبين العمى عن قراءة الواقع.
فالحوثي اليوم يخوض صراعًا مع القوى الشمالية التي تنازعه السلطة على الشمال قبل أن يكون صراعه مع الجنوب.
أما نحن في الجنوب، فلدينا قضيتنا، وأرضنا، وحدودنا، وحقنا في أن نقرر مستقبلنا بأنفسنا.
ولست بحاجة إلى أن أستورد خصومي من صنعاء، ولا أن أستورد حلفائي من الرياض.
حدودي الجنوبية مسؤولية أبنائها.
ومن يظن أن الجنوب عاجز عن حماية أرضه، فعليه أن يعيد حساباته.
نحن قادرون على حماية حدودنا من أي تدخل شمالي، سواء جاء تحت راية الحوثي أو حزب أو جماعة أو مشروع سياسي آخر.
بالنسبة لي، لا فرق بين من يريد فرض الوحدة علينا بالقوة تحت هذا الشعار أو ذاك.
الوحدة التي انتهت سياسيًا واجتماعيًا لا يمكن إحياؤها بإعادة تدوير الوجوه.
ولهذا فأنا لست مع إعادة إنتاج هؤلاء تحت عنوان «محاربة الحوثي».
فإذا كانت المعادلة المطروحة أمامنا هي:
إما الحوثي أو عودة منظومة الشرعية والوصاية السعودية،
فأنا أرفض المعادلة من أساسها.
فالجنوب ليس مضطرًا للاختيار بين مشروعين لا يمثلان تطلعاته.
لسنا بحاجة إلى أن نقاتل بالنيابة عن أحد.
ولسنا بحاجة إلى أن ندفع أبناءنا إلى الجبهات لكي يعود من فشلوا في إدارة البلاد.
ولسنا بحاجة إلى ضمانات من أي طرف شمالي، لأن التجربة علمتنا أن الضمانات السياسية لا تحمي الأوطان إذا لم يكن لأهلها القدرة على حماية أرضهم.
نحن لا نطلب ضمانة من أحد.
نحن نطلب حقنا في أن نقرر مصيرنا بأنفسنا.
نريد أن نحمي أرضنا وحدودنا، وأن نرفض أي تدخل شمالي، أيًا كان مصدره، وأن نرفض في الوقت نفسه أن تتحول أرض الجنوب إلى ساحة نفوذ أو وصاية لأي دولة خارجية.
أما السعودية، فهي دولة جارة، ونحن لا نبحث عن عداوة معها.
لكن الجوار شيء، والوصاية شيء آخر.
والعلاقة بين الدول شيء، وفرض القرار على شعب وأرض شيء آخر.
لقد آن الأوان لأن تُفهم الرسالة بوضوح:
نحن لا نريد أن نكون وقودًا لحرب الآخرين.
لا نقاتل من أجل العليمي.
ولا نقاتل من أجل الحوثي.
ولا نقاتل من أجل الرياض.
ولا نقاتل من أجل صنعاء.
نقاتل فقط إذا كانت المعركة دفاعًا عن أرضنا وشعبنا وحقنا في تقرير مصيرنا.
أما أن يُطلب من الجنوبي أن يذهب إلى الشمال ليقاتل تحت راية «استعادة الدولة»، بينما يُطلب منه في الوقت نفسه أن ينسى دولته التي يطالب باستعادتها، فهذه معادلة لا يمكن أن يقبلها عاقل.
لقد جُرّب كل شيء:
الحرب، والتحالفات، والوعود، والضمانات، والمؤتمرات، والصفقات، وإعادة تدوير القيادات.
والنتيجة أن الجنوب ما زال يدفع الثمن.
لذلك أقولها اليوم بكل وضوح:
قضيتنا ليست من يحكم صنعاء.
قضيتنا من يحكم أرض الجنوب.
وليست معركتنا أن نعيد إنتاج الماضي.
معركتنا أن نصنع المستقبل.
ومن أراد أن يكون شريكًا للجنوب، فليحترم حقه.
ومن أراد أن يكون جارًا، فأهلًا بالجار.
ومن أراد أن يفرض وصايته، فعليه أن يعرف أن زمن الوصاية ليس قدرًا أبديًا.
أما أنا، فقد حددت موقفي:
أحمي حدودي الجنوبية، وأرفض أي تدخل في أرضي، وأرفض أن أكون وقودًا لمشروع لا يؤمن بحقي في دولتي.
ولا أطلب ضمانة من أحد.
فالقضية قضية شعب، والأرض أرضنا، والقرار قرارنا.
قُضي الأمر.