اخبار وتقارير

السبت - 31 يناير 2026 - الساعة 07:17 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو / حافظ الشجيفي

أستأذن في الدخول مباشرة إلى جوهر المشهد، حيث تتشابك خيوط الجغرافيا السياسية مع إرادة الشعوب في لحظة تاريخية فارقة، فنحن هنا لسنا بصدد تحليل فكري لموقف سياسي، بل نحن أمام مواجهة وجودية صريحة تتجلى فصولها على أرض الجنوب، حيث تصيغ الجماهير بوعيها الجمعي أسطورة الصمود التي تأبى الخضوع لموازين القوى التقليدية، إذ يبدو أنه كلما ارتفع صوت الجنوبيين في ميادين الشرف، وكلما تداعت تلك الملايين الهادرة من كل فج عميق، قاطعة المسافات الطويلة تحت وطأة ظروف معيشية قاسية وضغوط اقتصادية لا ترحم، لتثبت في عدن أن الحق لا يموت بالتقادم، نجد في المقابل إصرارا غريبا من الجانب السعودي وأدواته على ممارسة سياسة الاستفزاز الممنهج، وكأن هناك رغبة دفينة في استنزاف هذه الطاقات البشرية الهائلة أو محاولة بائسة لاختبار صلابة الإرادة الشعبية الجنوبية الفولاذية التي لا تلين، غافلين في ذلك عن حقيقة تاريخية كبرى تؤكد أن الشعوب الحية لا تعرف الكلل ولا يتسرب اليأس إلى وجدانها حينما بتعلق الامر بالحرية والكرامة والاستقلال الوطني.
فالقراءة المتأنية لمسار الأحداث تكشف لنا أن ما يواجهه الشعب الجنوبي اليوم هو محاولة لكسر الروح المعنوية عبر خطوات تصعيدية تتجاوز حدود اللياقة السياسية، ولعل الخطوة الأخيرة التي تمثلت في إغلاق بوابة المجلس العمومي للمجلس الانتقالي بأسلوب تعسفي أمام الموظفين والأعضاء، لم تكن مجرد إجراء إداري أو أمني، بل كانت رسالة سياسية فجة تهدف إلى وضع الرموز الوطنية في زاوية حرجة، وهي مواجهة مباشرة أريد لها أن تكون اختبارا أخيرا لمقدار الاحتمال، لكن هؤلاء الذين يخططون من خلف الحدود يتناسون دائما أن الجنوب ليس ساحة للتجارب، وأن الإنسان الجنوبي الذي استعاد أرضه بالدم والتضحيات الجسيمة ليس من الطينة التي تقبل الضيم أو ترضى بالانكسار مهما تعاظمت المؤامرات أو تكالبت القوى، فالمقدسات الوطنية والثوابت التي عمدتها أرواح الشهداء هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، والمنجزات التي تحققت في سبيل استعادة الدولة هي ملك للأجيال ولا تملك أي قوة، مهما بلغ شأنها، أن تسلبها أو تصادرها من اهلها بقرار فوقي يفتقر إلى الرؤية والموضوعية.
فنحن اذن أمام صلف سياسي يتجاهل حقيقة أن هذه المليونيات الهادرة هي الدرع الحقيقي والضمانة الوحيدة للدفاع عن تراب الوطن، وهي أقل ما يمكن أن يقدمه هذا الشعب الوفي في معركته من أجل الوجود، ومن هنا فإن التداعي الشعبي المرتقب ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو فعل نضالي يثبت للعالم أجمع، وللسعودية على وجه الخصوص، أن إرادة الشعوب هي القدر الذي لا يمكن الوقوف في مواجهته، وأن السياسات التي تعتمد على استلاب الحقوق أو التحرش بالرموز الوطنية لن تحصد سوى الخيبة، فالجنوبيون مع غياب قادتهم يقفون اليوم على قلب رجل واحد، مدركين أن صمتهم على هذا التطاول هو تفريط في المستقبل، ولذلك لن يترددوا لوهلة في الذود عن حياض وطنهم، وسوف يثبتون في الميادين أنهم شعب لا يفرط ولا يتراجع، وأن كل محاولة للنيل من كرامتهم لن تزيدهم إلا تماسكا وإصرارا على المضي قدما نحو انتزاع حقوقهم كاملة غير منقوصة، في مشهد مهيب يزاوج بين عبقرية المكان وعظمة الإنسان الذي يرفض أن يكون مجرد تابع في معادلات الآخرين.