الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 08:01 م
حتى الآن، لا تظهر أي مؤشرات عملية على وجود إرادة حقيقية لإطلاق حوار جنوبي – جنوبي جاد ومسؤول.
فرغم الزخم الإعلامي المصاحب، إلا أن ما يجري على الأرض يوحي بأن المسار المطروح لا يتجاوز كونه إدارة للأزمة أكثر من كونه سعيًا فعليًا لحلّها، خاصة في ظل حالة الاستقطاب الواسعة التي أعقبت أحداث يناير.
ويبدو أن التركيز ينصبّ على امتصاص الغضب الشعبي الناتج عن القصف الجوي السعودي على القوات الجنوبية، والتطورات الميدانية الأخيرة، عبر تحريك مسارات شكلية، بدل الذهاب إلى معالجة جذرية لأسباب التوتر. فالحوار السياسي، بطبيعته، لا يحتاج إلى هذا الحشد غير المنضبط من الإعلاميين والناشطين والعسكريين، بقدر ما يتطلب إطارًا واضحًا وتمثيلًا مسؤولًا، يبدأ بوفد المجلس الانتقالي الجنوبي، مع إشراك المكونات الجنوبية المؤثرة ذات الثقل الحقيقي على الأرض.
توسيع دائرة “الحوار” بهذا الشكل الفضفاض، في قضايا معقدة ومثقلة بتراكمات تاريخية عميقة، لا يخدم التوافق، بل يفتح المجال أمام تمييع القضايا الجوهرية، وتفكيك المواقف، وتعدد الأجندات، بما يسمح بتسويق المشهد إعلاميًا كحالة حوار، في حين يجري فعليًا تفريغه من مضمونه السياسي.
أحداث يناير ليست عابرة ولا يمكن احتواؤها بإجراءات سريعة أو معالجات سطحية. فالهدم قد يتم في ساعات، لكن إعادة بناء الثقة السياسية تحتاج إلى وقت طويل وإرادة صادقة. وأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة عبر فرض واقع جديد بالقوة أو عبر إدارة إعلامية للأزمة، لن تؤدي إلا إلى تعميق الشرخ القائم، وإطالة أمد التوتر.
سياسيًا، تتجه الوقائع نحو مسار واضح يتمثل في إعادة ترتيب النفوذ جنوبًا، فيما يبدو أن الهدف غير المعلن هو تفكيك المجلس الانتقالي الجنوبي تدريجيًا، وإعادة الاستحواذ على كامل الرقعة الجغرافية في الجنوب، تحت عناوين متعددة، دون معالجة حقيقية لجذور القضية الجنوبية أو احترام إرادة الشارع.
وهنا تبرز مخاطر لا تقل أهمية عن الضغوط الخارجية، تتمثل في تحوّل النخبة السياسية الجنوبية نفسها إلى نسخة مكررة من النخبة الشمالية التي عرفناها طوال عشر سنوات، نخبة تُدار بالامتيازات، وتعيش على البدلات والإعاشات، وتستبدل التمثيل الشعبي بالإقامة في الفنادق، وتحوّل القرار السياسي إلى وظيفة، والقضية إلى ملف تفاوضي قابل للمقايضة.
هذه المقارنة ليست من باب التجريح، بل من باب التحذير. فالنموذج الشمالي أثبت فشله لأنه أفرغ السياسة من مضمونها الوطني، وحوّل الدولة إلى محاصصة دائمة، وأنتج أزمات متتالية. وإذا سلك الجنوب المسار نفسه، فإن النتيجة ستكون تفكيك الإرادة الجنوبية من الداخل، وفقدان الشارع ثقته بقياداته، وفتح المجال أمام خصوم الجنوب وفي مقدمتهم الحوثي والتنظيمات المتطرفة لاستثمار الفراغ والانقسام.
مسؤولية النخبة الجنوبية اليوم لا تكمن في الحضور الشكلي داخل أي مسار، ولا في التموضع المؤقت، بل في الحفاظ على استقلال القرار السياسي، واحترام الإرادة الشعبية، ورفض أي محاولة لتحويل القضية الجنوبية إلى أداة احتواء أو واجهة لتغطية أخطاء جسيمة. فالجنوب لا يحتاج نخبة تُدار بالمكافآت، بل نخبة تقود بوعي ومسؤولية، وتدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو خسارة الثقة الشعبية قبل أي خسارة سياسية أخرى.