الجمعة - 30 يناير 2026 - الساعة 11:53 م
لقد أصبح الوعيُ المجتمعيّ لدى أبناءِ الجنوب في أعلى درجات النضوج ، فالوعي المجتمعي الجنوبي يُعتَبَر إنتصاراً ساحقاً ومزلزلاً، تذوب تحت أقدامهِ كل الرهانات العدائية، لأنّه وعياً مجتمعياً، لم يُولدْ صُدفَةً، ولم يتشكّلْ في فراغ ، بل نبتَ من رحمِ المعاناة، وتغذّى من ذاكرةٍ مثقلةٍ بالتجارب ، وصُقِلَ بنارِ الثورة والنضال حتى غدا صلباً، نافذَ البصيرة، عصيًّاً على الإنكسار.
إنّ أبناءَ الجنوب لم يتعلّموا الوعي من الكُتُب وحدها، بل قرؤوه في تفاصيل حياتهم اليومية ؛ وتعلموه في مواقع القتال حينما إختلط الدم الجنوبي بجميع أطيافه المجتمعيه في أكثر من موقع قتال، وإستلهموه من الأرض التي تعلّمت الصبر، وفي البيوت التي عرفت معنى الفقد دون أن تفقد المعنى، وفي الوجوه التي أرهقها الزمن لكنها لم تنحني إلا لله.
لقد أدرك أبناء الجنوب، بحسِّهم الفطري العميق، أنّ المجتمعات لا تُهزَمُ حين تُحاصَر ، بل حِينّ يُغتال وعيُها ، وحِينَّ تُستبدَلُ الحقيقةُ بالوهم ، والكرامةُ بالمصلحة الضيّقة ، ولذلك كان وعيهم سلاحاً غير قابلٍ للمصادرة، وحصناً لا تنفذُ إليه خناجرُ الفتنة .
ولقد تجلى الوعي المجتمعي الجنوبي بصوره أوضح في يومنا هذا، وذلك عندما سقطت رهانات الشهراني وأدواته الحقيرة التي حاولت ضرب الوعي المجتمعي الجنوبي مستغلةً تواجد الحشد الشعبي لأبناء الصبيحه في ساحة العروض.
فقد أثبتت جموع أبناء الصبيحة في يومنا هذا بأنَّ الوعي الجنوبي سلاحاً حاضراً يُحرِق كل أوراق المؤامرات والرهانات التي تُدار من الغرف المغلقه، ففي يومنا هذا، وما أن تمّ رفع أعلام السعودية في ساحة العروض، إلا وكان الوعي الجنوبي بالمرصاد ، فقد كان الوعي المجتمعي لأبناء الصبيحه أكبر وأقوى من تلك الأعمال الإستفزازيه التي أصبح يعرف حقيقتها أصغر طفل جنوبي فضلاً أن يعرف حقيقتها عُقَال ومثقفي الجنوب، لقد شاهدنا الوعي المجتمعي الجنوبي يتجلى كالإعصار الهائج، لينسف كل المؤامرات والأعمال الإستفزازيه، ويجعلها تنصهر وتذوب تحت أقدام الشرفاء والأحرار من أبناء الجنوب.
فتحية المجد والحرية لأبناء الصبيحه ، الذين قابلوا تلك الإستفزازات الشهرانية بموجة غضب شعبي إبتلعت راياتهم الخضراء ، التي تعمدّت رفعها أيادي مأجوره في ساحة العروض، والتي حرّكتها ريالات سعوديه كدفعاً مسبقاً يُعَبِر عن ثمن تلك الوجوه الرخيصة التي باعت شرفها وحريتها في سوق النِخاسَه الشهرانية، تحية المجد والحرية مرةً أخرى لأبناء الصبيحه على موقفهم المُعَبِّر عن حالة الرفض الشعبي لتلك الإستفزازات الرعناء.
إنَّ مثل ذلك الوعي المجتمعي الجنوبي الذي جسدّهُ أبناء الصبيحة عندما غادروا ساحةالعروض، ليس ضجيجاً في وجهِ الآخر، ولا تهوّراً يتخفّى بثوبِ الحماسة ، بل هو اتّزانٌ نادر، يُحسِنُ التمييز بين العدوّ الحقيقيّ والخصم المصنوع ، وبين الاختلاف المشروع والإنقسام المُهلِك، وبهذا الفهم الراسخ والوعي الناضج، فَشِلّت كلّ محاولاتِ تفكيك النسيج الإجتماعيّ الجنوبيّ، لأنّ أبناءه امتلكوا بوصلةً إخلاقيّةً تحميهم من الإنزلاق نحو التشرذم والسقوط في دوامة الإختلافات، التي يحاول الأعداء تسويقها إلى مجتمعنا الجنوبي المتماسك.
لقد راهن الأعداء طويلًا على كسرِ إرادة شعب الجنوب، عبر بثّ الشكوك، وإشعال النعرات، وتغذية الخطابات المسمومة، لكنهم اصطدموا بجدارِ وعيٍ جماعيٍّ أدرك مبكراً أنّ الانقسام هو الهزيمة بعينها، وأنّ الحفاظ على وحدة الصفّ ليس شعاراً عاطفياً، بل ضرورةً وجوديّة.
فكان الردّ صامتاً في أحيان، وحاسماً في أحيانٍ أخرى، لكنه دائماً نابع من إدراكٍ عميق لطبيعة الصراع وأدواته الخسيسة،التي تُدار من داخل الغرف المغلقه لضرب النسيج المجتمعي الجنوبي خدمةً لأجنِدات مُعاديه لجوهر القضية الجنوبية ولجميع أبناء الشعب الجنوبي.
إنَّ الوعيُ المجتمعيّ ليس مجرّد موقفٍ سياسيّ، بل ثقافةٌ متكاملة، تُعيد تعريف الإنتماء للهوية الجنوبية على إعتباره مسؤولية ، وتُعلِي من قيمة الإنسان قبل الشعارات، وتربط الماضي بالحاضر دون أن تُرهِن المستقبل لهما.
إنّه وعيٌ جنوبي يعرف كيف يصون الذاكرة دون أن يتحوّل إلى أسيرٍ لها، وكيف يستفيد من الدرس والتجارب دون أن يُقِيم في الجرح.
وفي زمنٍ متأخر مثل هذا الزمن ،الذي تتهاوى فيه كثيرٌ من المجتمعات تحت وطأة التضليل وسرعة الشائعة والمصالح الشخصية، يَبرُز شعب الجنوب كنموذجاً لافتاً في قدرته على إنتاج وعيٍ جماعيٍّ مُقاوِم، لايكتفي برد الفعل، بل يبادر إلى الفعل، ويُحَوِّل التحدّي إلى فرصةٍ لتعزيز الثبات، والتلاحم، والتماسك المجتمعي الجنوبي ، وترسيخ القيم، وتجديد الثقة بين الفرد ومحيطه.
إنّ هذا الوعي الجنوبي، بما يحمله من حكمةٍ جماعيّة، هو الإنتصار الحقيقيّ الذي لا يُقاس بالنتائج الآنيّة وحدها، بل بقدرته على الإستمرار، وعلى إفشال كلّ الرهانات العدائيّة مهما تغيّرت أشكالها وتبدّلت أدواتها، فهو إنتصارٌ هادئ ، عميق ،يبتلع كل أشكال الإستفزازات ، ويزرع جذوراً لا تقتلعها العواصف، ولا تُثنِيها التحديات .
وهكذا، يُثبِت أبناءُ الجنوب أنّ الوعي حِينَّ يصبح ثقافةً عامّة، يتحوّل إلى دِرعٍ لا يُختَرَق، وإلى قوةٍ ناعمةٍ قادرة على سحق أكثر المخططات قسوة، لا بالعنف، بل بالفهم، ولا بالضجيج، بل بالثبات، وذلك في حدّ ذاته، أبلغُ أشكال الإنتصار.