الأربعاء - 11 مارس 2026 - الساعة 01:34 ص
إلى أولئك الواهمين في مراهناتهم بأن الحقيقة يمكن خنقها بالقوة وأن قمع الظواهر يؤدي بالضرورة إلى إعدام الجوهر .
وانطلاقا من ذلك فأن ما أقدمت عليه حكومة ما بعد الشراكة المدعومة سعوديا من إغلاق للمقرات المادية للمجلس الانتقالي الجنوبي ليس صراعا على مكاتب ، بل هو تصادم بين منطق الإكراه اليمني ومنطق الحق الجنوبي المتمثل في الآتي:
١- إن الخطأ الفلسفي الذي وقعت فيه قوى حكومة الأمر الواقع
يكمن في اعتقادها بأن القضية محصورة في الحيز المكاني متجاهلة بأن المقر ليس جدرانا ، بل هو تموضع رمزي للإرادة ؛ وحين تغلق الجدران بقوة السلاح ، فإن الإرادة لا تتبخر ، بل تتحرر من المكان المحدود لتنتشر في الفضاء المطلق ، لأن ما
أغلق بمنطق قوة الاحتلال العارضة ، سيفتح بمنطق حق النضال السلمي الأصيل على اعتبار أن القوة قد تحكم اللحظة الحاضرة ، لكن الإرادة هي التي تصنع التاريخ .
٢- ولهذا تنتقل القضية من المؤسسة المحصورة في الفضاء المكاني المحدود إلى الفضاء الوجودي المفتوح .
فإذا كان المقر متموضع في مبنى محدود ، فإن البيت بمثابة الوطن الصغير ، وحين يتحول كل بيت جنوبي إلى مقر ، تلغي المسافة بين السياسي والاجتماعي
فتتحول البيوت من أماكن للاستقرار الخاص إلى قلاع للمقاومة العامة ، وهنا تتماهى القضية الوطنية في ذاتية كل فرد جنوبي بحيث يصبح كل فرد هو المؤسسة ، وكل إطار سكني بوتقة عمليات للوعي الثوري .
وهنا لا يمكن لحكومة الاحتلال اليمني محاصرة الفكرة حين تسكن في صدر كل جنوبي وتتخذ من وطنه الصغير ملاذا آمنا للوطن الجنوبي الكبير .
٣- إن الالتفاف الشعبي حول القيادة الجنوبية ممثلة في سيادة الأخ الرئيس القائد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، ليس مجرد ولاء سياسي عابر ، بل هو تعبير عن العقد الاجتماعي الروحي الذي يربط الشعب بمشروعه الوطني ، ولهذا فإن محاولات العزل المادي التي تقوم بها حكومة ما بعد الشراكة لن تزيد هذه الرابطة إلا تلاحما وصمودا ، على اعتبار أن
الفكرة التي يلتف حولها الجميع تصبح عصية على الكسر لأنها تمثل الكلي الثائر في مواجهة الجزئي المتسلط.
وختاما فأن تحويل البيوت إلى مقرات هو ذروة التضحية وقمة للوعي الفلسفي على اعتبار أن الحرية حالة ذهنية قبل أن تكون حالة سياسية ، ويتضح ذلك عندما يندمج الشعب بمشروعه إلى حد تصبح فيه الحياة الخاصة وقفا على القضية العامة وهنا يسقط وهم القمع لأن القوة قد تحطم الجسد والمبنى ، لكنها تقف عاجزة أمام فكرة جوهرية حان وقتها ، وشعب حي قرر أن يستعيد دولته المستقلة.
وحينها لن يكون أمام سلطة الأمر الواقع إلا أن تجد نفسها صاغرة مجبرة على فتح المقرات المحدودة حتى لا يتحول الجنوب كله إلى مقرات متعالقة ومتماسكة تمثل الإطار الكلي الذي يصعب أغلاقه بالمطلق.
د يحيى شائف ناشر الجوبعي
باحث ومحلل سياسي