كتابات وآراء


الإثنين - 02 فبراير 2026 - الساعة 04:45 م

كُتب بواسطة : عبدالكريم أحمد سعيد - ارشيف الكاتب


ما نشر مؤخراً بقلم الصحفي راشد بن ضيف الله العنزي، تحت لافتة الدفاع عن المملكة العربية السعودية، لا يمكن تصنيفه في إطار النقد المسؤول، ولا يندرج ضمن أدبيات الرأي المتزن، بل يعكس خطاباً إقصائياً قائماً على التعميم والإساءة، ويحمل الحوار السياسي ما لا يحتمل، ويختزل قضايا معقدة في أوصاف جارحة لا تخدم الحقيقة ولا المصالح المشتركة.
المشاركون الجنوبيون في أي مسار حواري لم يأتوا إلى الرياض كـ«مهاجرين» أو «مرتزقة»، كما صوّرهم المقال، بل كأطراف سياسية تمثل قضية عادلة وشعباً له تاريخ وهوية وتجربة دولة، وقدم تضحيات جسيمة قبل أن تكون الرياض ساحة حوار، أو السعودية طرفاً داعماً لمسارات سياسية. إن اختزال هذه القضية في منطق المال أو النفاق، ليس فقط تجنياً، بل تجاهلاً فاضحاً لوقائع راسخة يعرفها القريب والبعيد.
المملكة العربية السعودية دولة محورية في الإقليم، وتحظى باحترام الجنوبيين قيادةً وشعباً، ولم يكن حضور الجنوبيين في أي حوار يوماً من باب المِنة أو التبعية، بل في إطار شراكة سياسية تفرضها تعقيدات الواقع، وتقتضيها المصالح المشتركة. والحوار، في جوهره، لا يكون حواراً حقيقياً إذا تحول إلى مساحة إملاء، أو إلى اختبار ولاءات، أو إلى منصة للتشهير والتخوين.
الأخطر في المقال محل الجدل أنه يخلط بين تقييم سلوك أفراد — إن وجد — وبين الطعن في قضية سياسية كاملة، وفي مكوّنات تمثل شريحة واسعة من شعب الجنوب. هذا الخلط لا يخدم المملكة، ولا يعزز استقرار اليمن، بل يغذي خطاب الكراهية، ويقوّض فرص التفاهم التي يفترض أن يقوم عليها أي مسار حواري جاد.
أما الحديث عن «بيع القضايا» و«الولاء المتقلب»، فهو توصيف إنشائي لا يصمد أمام مراجعة المسار السياسي الجنوبي، الذي اتسم — رغم تعقيداته — بثبات الهدف ووضوح المشروع، مع مرونة سياسية تفرضها طبيعة الصراع، وهذا هو جوهر العمل السياسي الناضج، لا الخيانة التي يحاول البعض إلصاقها زوراً.
من أراد الدفاع عن مكانة المملكة، فليفعل ذلك بلغة الحكمة والمسؤولية، لا بخطاب التحريض والتعميم. ومن أراد نصح قيادته، فليقدم قراءة دقيقة للمشهد، لا سردية مشحونة بالازدراء. فالسعودية أكبر من أن تدافع عنها لغة الإقصاء، والقضية الجنوبية أعمق من أن تختزل في أوصاف عابرة.
سيبقى الجنوبيون متمسكين بقضيتهم، منفتحين على الحوار، حريصين على علاقات محترمة ومتوازنة مع محيطهم، لكنهم — في الوقت نفسه — غير مستعدين لقبول الإساءة، أو التفريط بالكرامة السياسية، تحت أي عنوان، أو من أي قلم.