4 مايو/ تقرير / رامي الردفاني
تفتح التطورات الأخيرة في الساحل الغربي وبالقرب من باب المندب جدل واسعا حول مسار المعركة في اليمن، وحول الكلفة التي يمكن أن تترتب على السياسات التي أضعفت، خلال السنوات الماضية، واحدة من أبرز القوى التي واجهت الحوثيين على الأرض، وهي القوات الجنوبية.
فالمشهد الذي يتشكل اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن سلسلة طويلة من التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها الساحة اليمنية، ولا عن التحذيرات الجنوبية المتكررة من خطورة العبث بتوازنات القوة في الجنوب والساحل الغربي، خصوصا أن الرئيس عيدروس الزُبيدي ظل يؤكد في مواقف عديدة أن أمن الجنوب لا ينفصل عن أمن باب المندب وخطوط الملاحة الدولية، وأن القوات الجنوبية تمثل قوة رئيسية في مواجهة التهديدات التي تستهدف المنطقة.
ومن منظور سياسي جنوبي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف تمكن الحوثيون من تحقيق مكاسب ميدانية جديدة، وإنما كيف وصلت الجبهات المناهضة لهم إلى هذه الحالة من التراجع والتشتت، في الوقت الذي كان يفترض فيه أن تكون الأولوية المطلقة هي تعزيز القوى التي أثبتت قدرتها على مواجهة الجماعة الحوثية.
فالقوات الجنوبية خاضت خلال السنوات الماضية معارك واسعة ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، وقدمت تضحيات كبيرة في سبيل تحرير وتأمين مناطق الجنوب، كما شاركت في معارك الساحل الغربي، الأمر الذي جعلها طرفا عسكريا لا يمكن تجاهله عند الحديث عن معادلة مواجهة الحوثيين وحماية الممرات البحرية الاستراتيجية.
ويرى سياسيون جنوبيون أن المشكلة بدأت عندما تحولت العلاقة مع القوات الجنوبية من شراكة عسكرية في مواجهة عدو مشترك إلى ملف سياسي يخضع لحسابات النفوذ وترتيبات القوى، الأمر الذي انعكس على طبيعة انتشار القوات الجنوبية وعلى قدرتها على التحرك وفق رؤية عسكرية موحدة.
فإن سياسة إضعاف القوات الجنوبية أو إعادة توزيعها أو تفكيك بعض تشكيلاتها التي استخدمتها الوصاية السعودية لم تؤدِ إلى بناء جبهة أكثر قوة في مواجهة الحوثيين، بل ساهمت في خلق حالة من التشتت داخل المعسكر المناهض لهم، وهي حالة يستطيع الخصم استغلالها بسهولة في أي هجوم واسع أو تحرك استراتيجي.
كما عبر أبناء الشعب الجنوبي عن عن استيائهم عن التعدي السعودي حليفهم الجنوبي والإمارات معتبرة أن ما جرى خلال السنوات الماضية يمكن قراءته في إطار سياسة تقوم على توزيع القوة وإدارة الأطراف المتحالفة بدل توحيدها، وهي سياسة يرى منتقدوها أنها أضعفت الحلفاء أكثر مما أضعفت الخصم.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن سياسة «فرق تسد» باعتبارها أحد التفسيرات السياسية التي يطرحها خصوم النهج السعودي تجاه الجنوب، حيث يرى هؤلاء أن إضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الجنوبية، أو إبقاؤهما تحت ضغوط سياسية وعسكرية متواصلة، انعكس في النهاية على الجبهة التي كان يفترض أن تكون موجهة أساسًا ضد الحوثيين.
حيث تعود التحذيرات الجنوبية السابقة إلى الواجهة، إذ إن الزُبيدي والقوات الجنوبية لطالما نظروا إلى الساحل الغربي وباب المندب باعتبارهما جزءًا من منظومة أمنية وجيوسياسية واحدة، لا يمكن فصلها عن أمن الجنوب ومستقبله السياسي.
وفي سياق متصل عبر سياسيون جنوبيون أن القوات التي قاتلت الحوثيين في مراحل سابقة وأثبتت حضورها في جبهات الجنوب والساحل، أصبحت خلال مراحل لاحقة أمام ضغوط وعداء سعودي لها منها ضربها في حضرموت والمهرة مما مكن من تفكيكها وتقليص نفوذها، بينما كان الحوثيون يعملون في الاتجاه المعاكس على تطوير قدراتهم وترسيخ منظومتهم العسكرية والاستفادة من الانقسامات داخل خصومهم.
.
وفي هذا الإطار، يرى سياسيون جنوبيون أن السعودية تتحمل مسؤولية سياسية عن مراجعة سياساتها تجاه حلفائها الجنوبيين، خصوصًا أن استمرار إضعاف القوات الجنوبية لا يخدم في نهاية المطاف هدف مواجهة الحوثيين. فالجنوب، وفق هذا الطرح، لم يكن يومًا قوة هامشية في الحرب، بل كان أحد أكثر الأطراف التي تحملت عبء المواجهة المباشرة، ولذلك فإن التعامل معه باعتباره مجرد ورقة في ترتيبات سياسية مؤقتة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ليس على الجنوب وحده وإنما على أمن المنطقة بأكملها.
ويرى منتقدون جنوبيون أن استمرار الضغط على الانتقالي وإضعاف قواته العسكرية والسياسية، في الوقت الذي يواصل فيه الحوثي تعزيز نفوذه، يمثل معادلة تحتاج إلى مراجعة عاجلة، لأن الخلاف مع الحليف لا ينبغي أن يتحول إلى مكسب للخصم.
كما يؤكد أبناء الجنوب العربي ان القوات الجنوبية لا تتعارض مع مواجهة الحوثيين، بل إن الجنوب وقواته يمكن أن يكونا عنصرًا رئيسيًا في أي استراتيجية حقيقية لمواجهة الجماعة وحماية أمن المنطقة.
ولقد أثبتت السنوات الماضية أن الجنوب العربي دفع ثمنا باهظا في مواجهة الحوثيين، وأن القوات الجنوبية قدمت تضحيات كبيرة دفاعا عن الأرض والمجتمع، ولذلك فإن أي محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء أو تفكيك هذه القوة دون بناء بديل قادر على سد الفراغ قد تكون لها نتائج خطيرة. وما يحدث في الساحل الغربي اليوم يقدم درسا سياسيا وعسكريا واضحًا وهو عندما تتراجع القوات التي واجهت الحوثي وتضعف الجبهات المناهضة له، فإن المستفيد الأول سيكون الخصم الذي ينتظر الفرصة للتقدم.
كما تأتي تحذيرات الرئيس الزُبيدي السابقة عن سعي مليشيات الحوثي في إحتلال باب المندب والساحل الغربي، ليس باعتبارها مواقف مرتبطة بمرحلة سياسية انتهت، وإنما باعتبارها جزءا من رؤية جنوبية ترى أن أمن الجنوب وباب المندب والساحل الغربي مترابط، وأن أي تهديد يقترب من هذه المناطق ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الجنوب واليمن والمنطقة لكون السيطرة عليها يمثل خطر على الممرات المائية الدولية لكونه يمثل نقطة اتصال بين البحر الأحمر وخليج عدن وحركة التجارة الدولية.
كما إن ما يحدث في المخا وبالقرب من باب المندب يجب أن يكون جرس إنذار، ليس للجنوب وحده، وإنما على الوصاية السعودية التي راهنت على ترتيبات أضعفت الحلفاء بدل أن توحدهم في مواجهة الخصم.
كما أن القوات الجنوبية التي خاضت المعارك وقدمت التضحيات لا ينبغي أن تكون هدفًا لإعادة التفكيك، بل شريكا أساسيا في حماية الأرض والممرات البحرية ومواجهة الحوثيين.
وإذا كان الحوثي قد استفاد من تفكك خصومه، فإن الدرس الأوضح اليوم هو أن حماية الجنوب وقضيته وتقوية قواته، إلى جانب توحيد القرار العسكري والسياسي، تمثل أحد أهم مفاتيح استعادة توازن المعركة ومنع انتقال الخطر إلى باب المندب وما بعده.