اخبار وتقارير

الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - الساعة 02:25 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو / مريم بارحمة

تستعيد ردفان، مع اقتراب الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر المجيدة، مكانتها في واجهة الذاكرة الجنوبية، باعتبارها الأرض التي انطلقت منها شرارة الكفاح المسلح في 14 أكتوبر 1963م، حين تحولت جبالها إلى نقطة انطلاق لمرحلة تاريخية امتدت تداعياتها إلى مختلف مناطق الجنوب، وصولًا إلى الاستقلال في 1967م.

وتستحضر ذكرى أكتوبر اليوم مسيرة طويلة من التضحيات والنضال، لتتحول من مناسبة لاستعادة الماضي إلى محطة للتأمل في معاني الإرادة الشعبية والهوية والحرية والدفاع عن الأرض، وما تفرضه تلك الذاكرة من مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل.

ويستعيد الجنوبيون، من جبال ردفان التي ارتبط اسمها بالشرارة الأولى للثورة، مشهدًا تتداخل فيه الذاكرة التاريخية مع الواقع الراهن؛ إذ تحضر القوات الجنوبية في صدارة المشهد الأمني والعسكري، وتطرح القوى المؤيدة لها دورها باعتبارها قوة تتولى حماية محافظات ومناطق الجنوب وتأمين جبهاته، في ظل دعوات متصاعدة إلى مساندتها وتعزيز تماسك الصف الجنوبي والوقوف إلى جانب من يرابطون في مواقع الدفاع عن الأرض.


ـ من ذاكرة أكتوبر إلى واقع الجبهات

تؤكد المصادر التاريخية أن أحداث 14 أكتوبر 1963 بدأت في ردفان، ضمن مواجهة مسلحة ضد الوجود البريطاني، قبل أن تتوسع رقعة الصراع خلال السنوات التالية إلى عدن ومناطق أخرى.

وبعد مرور 63 عامًا، تستعاد تلك التجربة في الخطاب الجنوبي بوصفها درسًا في قدرة الحركات الشعبية على الاستمرار عندما تتحول المطالب السياسية إلى قضية عامة تتجاوز الأفراد والمناطق.

وهنا تبرز القوات الجنوبية في الخطاب السياسي لأنصار الجنوب باعتبارها إحدى أدوات حماية الأرض والمجتمع، فيما يربط مؤيدوها بين وجودها وبين حماية المكتسبات الأمنية والعسكرية التي تحققت خلال السنوات الماضية.

ومن هذا المنطلق، تتصاعد الدعوات الشعبية والإعلامية إلى مساندة القوات الجنوبية معنويًا، والوقوف إلى جانب أفرادها في الجبهات، مع التأكيد على أن الدعم لا ينبغي أن يقتصر على الشعارات والمناسبات، بل يرتبط أيضًا بتعزيز التماسك الاجتماعي والوقوف مع أسر الشهداء والجرحى والحفاظ على الجبهة الداخلية.


ـ القوات الجنوبية في قلب المشهد

أصبحت القوات الجنوبية خلال السنوات الأخيرة جزءًا أساسيًا من المشهد الأمني والعسكري في عدد من محافظات ومناطق الجنوب، بينما يصف شعب الجنوب مهمتها بأنها دفاع عن الأرض وحماية السكان ومواجهة التهديدات العسكرية، ولا سيما في المناطق الحدودية والجبهات التي تشهد مواجهات.

وفي المقابل، فإن تقييم أداء هذه القوات ومهامها وعلاقتها بالبنية السياسية والعسكرية الأوسع يظل موضوعًا سياسيًا وأمنيًا محل نقاش بين الأطراف المختلفة، وهو ما يجعل الحديث عنها بحاجة إلى الفصل بين الوقائع الميدانية وبين المواقف السياسية المؤيدة أو المعارضة لها.

لكن الثابت في الخطاب المؤيد للقوات الجنوبية أن مقاتليها يُنظر إليهم باعتبارهم امتدادًا لجيل من المناضلين الذين حملوا السلاح في مراحل تاريخية مختلفة، وأن الوقوف إلى جانبهم يُقدَّم باعتباره تعبيرًا عن الوفاء لمن يحمون الجبهات والثغور.


ـ ردفان والصبيحة.. ذاكرة واحدة في وجدان الجنوب

وتحتل ردفان والصبيحة ومناطق بالجنوب أخرى مكانة بارزة في الذاكرة السياسية والعسكرية الجنوبية؛ فالأولى ارتبط اسمها ببداية ثورة أكتوبر، فيما تحضر الصبيحة اليوم في الخطاب المتعلق بالجبهات والحدود والمواجهة العسكرية.

وبذلك تتقاطع الذاكرة التاريخية مع المشهد الراهن: ردفان تستعيد رمزية الشرارة الأولى، والصبيحة وغيرها من المناطق تستحضر في الخطاب الجنوبي بوصفها مناطق قدمت رجالًا وتضحيات في مراحل الصراع المختلفة.

وهذه المقارنة لا تعني تطابق الظروف التاريخية؛ فلكل مرحلة سياقها السياسي والعسكري المختلف، لكنها تكشف عن استمرار حضور مفردات الأرض والتضحية والهوية والوحدة في الوعي السياسي الجنوبي.


ـ الذكرى الـ63.. من استحضار الماضي إلى توحيد الصف

تحمل الذكرى الثالثة والستون لثورة 14 أكتوبر دلالة سياسية تتجاوز الاحتفال الرمزي، خصوصًا مع تزايد الدعوات إلى توحيد الصف الجنوبي وتقليص الخلافات الداخلية.

فالقوة العسكرية، مهما بلغت، تحتاج إلى بيئة سياسية واجتماعية متماسكة، كما أن أي مشروع سياسي يحتاج إلى قاعدة اجتماعية قادرة على تجاوز الانقسامات المناطقية والحزبية والشخصية.

ومن هنا تبرز فكرة توحيد الصف الجنوبي باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الخطاب السياسي المرتبط بذكرى أكتوبر؛ إذ يرى محللون سياسيون هذا التوجه أن تعدد المواقف الجنوبية لا ينبغي أن يتحول إلى صراع داخلي يبدد الجهود، وأن الاختلاف السياسي يمكن إدارته بالحوار، بدلًا من أن يتحول إلى خصومة تضعف المجتمع.


ـ الشعب خلف قواته الجنوبية.. شعار يتجاوز المناسبة

ويحضر شعار #الشعب_خلف_قواته_الجنوبيه في الخطاب الإعلامي المؤيد للقوات الجنوبية بوصفه رسالة تضامن مع المقاتلين في الجبهات، وتأكيدًا على أن المجتمع لا يترك أبناءه الذين يخدمون في مواقع المواجهة.

ويشمل هذا الخطاب الدعوة إلى دعم الجرحى وأسر الشهداء، وتقدير تضحيات العسكريين، ورفع الروح المعنوية للمقاتلين، إلى جانب المطالبة بالحفاظ على وحدة المجتمع الجنوبي وتماسكه.

وفي هذا السياق، فإن الدعم الشعبي لا يُختزل في الجانب العسكري وحده؛ فالجبهة الداخلية، بما تتضمنه من مجتمع وإعلام ومؤسسات وخدمات وتكافل اجتماعي، تشكل عنصرًا مؤثرًا في قدرة أي مجتمع على مواجهة الأزمات الممتدة.


ـ قيادة سياسية ومسؤولية تاريخية

ويربط الخطاب المؤيد للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقيادته، ممثلة بالرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي،رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والقائد الاعلى للقوات المسلحة الجنوبية، بين المرحلة الراهنة وبين مسار سياسي يعتبره امتدادًا لنضال الجنوب من أجل قضيته.

وفي المقابل، تبقى هذه الرؤية موقفًا سياسيًا يتبناه معظم شعب الجنوب، بينما تختلف الأطراف السياسية الأخرى في توصيفها للمسار والأهداف والوسائل.

ومع اقتراب ذكرى أكتوبر، يصبح الأهم بالنسبة للمجتمع الجنوبي هو إدارة هذا الاختلاف بطريقة لا تتحول معها التباينات السياسية إلى انقسام اجتماعي أو صراع داخلي.


ـ أكتوبر.. ذاكرة وطنية ومسؤولية تجاه المستقبل

لقد كانت ردفان نقطة انطلاق لحدث تاريخي كبير؛ ومن ثم فإن استحضار أكتوبر لا ينبغي أن يتوقف عند الاحتفاء بالشعارات، بل يمكن أن يتحول إلى فرصة لتوثيق التاريخ، وتعريف الأجيال الجديدة بتضحيات المناضلين، وقراءة التجربة بموضوعية، واستخلاص دروسها السياسية والاجتماعية.

فالثورات لا تُقاس فقط بلحظة انطلاقها، وإنما بما تتركه من ذاكرة وما تنتجه من وعي وما تمنحه للأجيال التالية من قدرة على فهم حاضرها.

واليوم، ومع اقتراب الذكرى الـ63، يعود السؤال الجوهري: كيف يمكن تحويل الذاكرة المشتركة إلى مساحة تجمع الجنوبيين بدل أن تكون مناسبة جديدة لتوسيع الخلافات؟

إن الإجابة تبدأ من الاعتراف بالتنوع داخل المجتمع الجنوبي، واحترام التضحيات، ودعم الاستقرار، وتشجيع الحوار، وتوحيد الصف في مواجهة التحديات التي تمس أمن المجتمع وأرضه ومستقبله.

ومن ردفان التي أشعلت شرارة أكتوبر، إلى مختلف مدن ومناطق الجنوب، تبقى الرسالة الأبرز أن وحدة الصف والتماسك الاجتماعي وحماية المجتمع هي عناصر أساسية لأي مسار سياسي يريد أن يحافظ على حضوره ويصنع مستقبلًا أكثر استقرارًا.

وهكذا تأتي الذكرى الثالثة والستون لثورة 14 أكتوبر باعتبارها لحظة لاستعادة الذاكرة، وتكريم المناضلين، وتقدير تضحيات القوات والأمن في الحاضر، وفتح مساحة أوسع أمام الجنوبيين لتوحيد رؤاهم وإدارة اختلافاتهم بالحوار، بعيدًا عن الانقسام الداخلي.