4 مايو/تقرير خاص: مريم بارحمة
قضية الجنوب لم تعد بالنسبة إلى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب العربي مجرد ملف سياسي عابر أو ورقة تفاوضية مؤقتة، بل تحولت، على مدى سنوات، إلى قضية ذات حضور راسخ في الوعي السياسي والاجتماعي والجماهيري الجنوبي. وفي قلب هذا المشهد يقف المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بوصفه الإطار السياسي الذي حامل وممثل لقضية شعب الجنوب ومعبّرًا عن تطلعاته، بينما يواصل شعب الجنوب التأكيد على التمسك بمشروع استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة، في ظل مرحلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
ويأتي هذا المشهد في وقت يواجه فيه الجنوب تحديات متداخلة، سياسية واقتصادية وأمنية، بينما تتواصل الفعاليات الجماهيرية والتحركات التنظيمية في عدد من محافظات الجنوب. وقد شهد يوليو 2026 تصعيدًا شعبيًا في العاصمة عدن، بالتزامن مع فعاليات وتحركات في محافظات الجنوب، في رسالة سياسية أراد شعب الجنوب من خلالها التأكيد على أن قضية الجنوب ما زالت حاضرة في الشارع، وأن الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية لم تُنهِ حضورها.
_ قضية الجنوب بين الذاكرة السياسية والواقع الراهن
ينطلق الخطاب السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي من اعتبار قضية الجنوب قضية شعبية وسياسية ممتدة، وأن معالجة مستقبل الجنوب لا يمكن أن تتم بعيدًا عن إرادة أبنائه. المجلس يعد بأنه كيان وطني رسمي ممثل لقضية الجنوب، ويضع المجلس ضمن مهماته قيادة المرحلة وصولًا إلى استحقاقات تشكيل مؤسسات الدولة الجنوبية، مع الإشارة إلى الحوار والتوافق أو الاحتكام إلى إرادة الشعب عبر الاستفتاء والانتخابات مستقبلًا.
ومن هذه الزاوية، فإن صمود المجلس الانتقالي الجنوبي العربي لا يُقاس فقط بقدرته على الحفاظ على حضوره السياسي والتنظيمي، وإنما بمدى قدرته على إبقاء قضية شعب الجنوب في واجهة النقاش العام والدولي، وعلى تحويلها من قضية محلية إلى ملف سياسي حاضر في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل الجنوب واليمن والمنطقة.
وتكمن أهمية هذا البعد في أن القضايا السياسية الكبرى لا تُحسم دائمًا بالتحولات العسكرية وحدها، وإنما تتأثر كذلك بقدرة القوى السياسية على الحفاظ على حضورها الشعبي، وإعادة تنظيم صفوفها، وتطوير خطابها، والاستمرار في تقديم نفسها باعتبارها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.
ومن هنا، يرى المجلس الانتقالي وشعب الجنوب أن استمرار الفعاليات الشعبية والاجتماعات التنظيمية والأنشطة السياسية في محافظات الجنوب يمثل مؤشرًا على أن قضية الجنوب لم تفقد زخمها، بل تحاول إعادة إنتاج نفسها في مواجهة مرحلة جديدة من الضغوط والتحديات.
_ المجلس الانتقالي.. اختبار الصمود السياسي
يدخل المجلس الانتقالي مرحلة مختلفة عن المراحل السابقة. فالمشهد الجنوبي شهد خلال عام 2026 تحولات عسكرية وسياسية كبيرة، خصوصًا بعد التطورات التي شهدتها حضرموت والمهرة مطلع العام، وما تبعها من إعادة ترتيب للمشهد الأمني والعسكري في عدد من محافظات الجنوب. وقد وثقت تحليلات سياسية وعسكرية هذه التحولات باعتبارها واحدة من أبرز التطورات التي أعادت رسم موازين القوى في الجنوب.
لكن القراءة السياسية للصمود لا ينبغي أن تتوقف عند الخسارة أو المكسب الميداني في لحظة معينة. فالتجارب السياسية في الجنوب والمنطقة تظهر أن النفوذ السياسي يمكن أن يتراجع في مرحلة، ثم يعيد إنتاج نفسه من خلال الحضور الشعبي والتنظيمي، خصوصًا عندما تكون القضية التي يحملها مرتبطة بقاعدة اجتماعية وجماهيرية واسعة.
وفي هذا السياق، يراهن المجلس الانتقالي على عاملين أساسيين: أولهما استمرار ارتباطه بقضية الجنوب في خطاب قيادات الجنوب، وثانيهما الحفاظ على البنية التنظيمية للمجلس في محافظات ومديريات الجنوب.
وتشير تحركات المجلس خلال الأشهر الأخيرة إلى استمرار نشاط هذه البنية؛ فقد واصلت الهيئات المحلية عقد الاجتماعات، وتنظيم الفعاليات، ومناقشة المستجدات السياسية والأمنية والاقتصادية، إلى جانب الدعوة إلى التصعيد الشعبي السلمي.
وفي يوليو 2026، ظهرت هذه الديناميكية بوضوح في العاصمة عدن، حيث أعلن المجلس عن برنامج للتصعيد الشعبي السلمي، بالتزامن مع فعاليات في محافظات الجنوب. ووفقًا للبيان الصادر عن القيادة المحلية للمجلس في العاصمة عدن، فقد قُدمت تلك التحركات باعتبارها تعبيرًا عن وحدة الموقف الجنوبي والتمسك بالمطالب السياسية.
_ عيدروس الزُبيدي.. عنوان القيادة والانتظار
في قلب هذا المشهد يبرز اسم الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، الذي يضعه المجلس وسعب الجنوب في موقع القيادة السياسية للمشروع الجنوبي.
ويكتسب الحديث عن الرئيس الزُبيدي أهمية خاصة لأن صورته السياسية ارتبطت، منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بمشروع سياسي يركز على قضية الجنوب واستعادة الدولة الجنوبية. وقد أصبح اسمه بالنسبة إلى شعب الجنوب جزءًا من الخطاب السياسي المرتبط بالمرحلة الحالية، وهو ما انعكس في بيانات وفعاليات حملت عناوين تجديد التفويض والتمسك بقيادته.
وفي مايو 2026، أكدت قيادة المجلس الانتقالي في محافظة شبوة، خلال اجتماع موسع، التمسك بمشروع استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة، وجدد المشاركون تأكيدهم على دعم قيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي. وواصلت قيادة المجلس خلال يوليو 2026م إصدار قرارات تنظيمية وإعادة ترتيب هيئاته، في مؤشر على استمرار عمل بنيته القيادية والسياسية.
أما انتظار عودة الرئيس الزُبيدي، فيحمل في الخطاب الجنوبي أكثر من معنى. فهو، أولًا، انتظار لعودة شخصية قيادية ارتبطت بالمشروع السياسي للمجلس ولشعب الجنوب وقضيته الوطنية. وهو، ثانيًا، تعبير عن رغبة في استعادة حضور القيادة في مرحلة شديدة الحساسية. وثالثًا، رسالة سياسية إلى الخصوم والحلفاء بأن أنصار المشروع الجنوبي لا ينظرون إلى غياب القيادة عن المشهد الميداني باعتباره نهاية للمشروع.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القوة السياسية التي يحاول المجلس إبرازها: الفصل بين الشخص والقضية من جهة، مع استمرار الارتباط الرمزي بين القيادة والمشروع من جهة أخرى.
فحتى مع غياب الرئيس القائد الزُبيدي عن المشهد الداخلي في مراحل معينة، استمرت الهيئات المحلية والقيادات التنظيمية والفعاليات الجماهيرية في نشاطها، وهو ما يريد المجلس تقديمه باعتباره دليلًا على أن قضية الجنوب أوسع من شخص، وأن القيادة تمثل عنوانًا لمشروع سياسي قائم على قاعدة جماهيرية وتنظيمية.
_ الجنوب.. من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي
لا يمكن قراءة مستقبل قضية الجنوب بعيدًا عن العامل العسكري. فقد لعبت القوات الجنوبية خلال سنوات الحرب دورًا بارزًا في مواجهة جماعة الحوثي والتنظيمات المسلحة والإرهابية، وأصبحت التشكيلات العسكرية والأمنية الجنوبية جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن في الجنوب.
ويحضر هذا الدور بقوة في الخطاب السياسي للمجلس الانتقالي، الذي يربط بين التضحيات العسكرية، التي قدمها أبناء الجنوب وبين الحق في تحديد مستقبلهم السياسي.
وفي البيانات الصادرة عن المجلس، يجري باستمرار التأكيد على مكانة القوات المسلحة والأمن الجنوبية، وعلى تضحيات الشهداء والجرحى والمرابطين في ميادين القتال. وقد أشارت بيانات المجلس خلال 2026 إلى القوات الجنوبية المرابطة في ميادين الشرف، وربطت بين صمودها وبين حماية الجنوب ومكتسباته.
غير أن قراءة المشهد العسكري تقتضي عدم اختزال قضية شعب الجنوب في مفهوم المواجهة المسلحة وحدها. فالقوة العسكرية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع بمفردها إنتاج حل سياسي مستدام. ولذلك فإن التحدي الأكبر أمام القوى الجنوبية يتمثل في تحويل التضحيات العسكرية إلى رصيد سياسي قادر على التأثير في أي تسوية مستقبلية، مع الحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية المدنيين.
ومن هذه الزاوية، فإن صمود القوات الجنوبية في الجبهات، لا يُنظر إليه باعتباره صمودًا عسكريًا فقط، بل باعتباره جزءًا من معركة سياسية أوسع تتعلق بمستقبل الجنوب.
_ الجبهات العسكرية.. ذاكرة الشهداء وحسابات المستقبل
ارتبطت الذاكرة الجنوبية الحديثة بسلسلة طويلة من المعارك والتضحيات التي خاضتها القوات الجنوبية ضد الحوثيين والتنظيمات المسلحة والإرهابية. ولهذا أصبحت الجبهة العسكرية جزءًا من الهوية السياسية للمشروع الجنوبي لدى مؤيديه.
فالجنود والضباط والقيادات الذين سقطوا في المعارك لا يمثلون، في الوعي الجنوبي، مجرد أرقام في سجلات الحرب، بل يشكلون جزءًا من سردية وطنية تُستخدم لتأكيد أن الجنوب دفع ثمنًا باهظًا في سبيل الأمن والاستقرار والدفاع عن أرضه.
غير أن المرحلة الحالية تفرض على القوات الجنوبية تحديًا جديدًا: الانتقال من منطق المعارك المفتوحة إلى منطق بناء مؤسسة عسكرية وأمنية أكثر تنظيمًا، قادرة على حماية السكان والحدود والمصالح العامة، وتعمل ضمن قواعد واضحة للمساءلة والقانون.
وهذه النقطة تحديدًا ستكون حاسمة في مستقبل المشروع الجنوبي؛ لأن أي مشروع سياسي يسعى إلى بناء دولة يحتاج إلى مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية، لا إلى مجرد تشكيلات متفرقة مرتبطة بالظروف العسكرية.
_ الصمود الشعبي.. الورقة الأقوى
إذا كانت الجبهة العسكرية تمثل أحد عناصر القوة، فإن الجبهة الشعبية الجنوبية تمثل عنصرًا لا يقل أهمية.
فخلال يوليو 2026، شهدت العاصمة عدن ومحافظات الجنوب فعاليات جماهيرية وتصعيدًا شعبيًا سلميًا، وهو ما يعكس محاولة المجلس الانتقالي نقل مركز الثقل من الميدان العسكري إلى الميدان الجماهيري والسياسي.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن الصراع على مستقبل الجنوب لا يمكن أن يبقى عسكريًا؛ إذ إن أي مشروع سياسي يحتاج إلى قاعدة شعبية قادرة على التعبير عن مطالبها بوسائل سياسية وسلمية.
ومن هنا، فإن المليونيات والمسيرات والوقفات والاجتماعات الجماهيرية لا تؤدي وظيفة احتجاجية فقط، بل تحمل وظيفة سياسية تتمثل في إرسال رسالة إلى الداخل والخارج بأن قضية الجنوب ما تزال حاضرة في الشارع.
لكن نجاح هذا المسار يتطلب الحفاظ على سلمية الفعاليات، وتجنب أي ممارسات قد تؤدي إلى العنف أو الفوضى، لأن القوة السياسية للحركة الجماهيرية تكمن في قدرتها على التعبير المنظم والسلمي عن المطالب.
_ حرب الخدمات والاقتصاد.. التحدي الأكثر تأثيرًا
لا يمكن فصل الصراع السياسي عن الواقع المعيشي للمواطن الجنوبي.
فالكهرباء والرواتب والمياه والصحة والعملة والأسعار وفرص العمل ليست قضايا هامشية بالنسبة إلى المواطن بالجنوب، بل هي أساس تقييمه لأي سلطة سياسية.
ولهذا فإن أحد أهم الاختبارات التي تواجه المجلس الانتقالي وحلفاءه يتمثل في قدرته على تقديم رؤية واضحة لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وليس الاكتفاء بالخطاب السياسي.
فقضية الجنوب، لكي تحافظ على زخمها الشعبي، تحتاج إلى أن تتحول من مجرد مشروع سياسي للمستقبل إلى رؤية عملية لكيفية إدارة المجتمع والاقتصاد والمؤسسات.
ويعني ذلك أن الصمود الحقيقي لا يكون فقط برفع الشعارات، وإنما بإظهار القدرة على الإدارة، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وتعزيز الأمن، وحماية الحقوق والحريات، وبناء مؤسسات تحظى بثقة المواطن.
_ وحدة الصف الجنوبي.. شرط أساسي للصمود
ربما يمثل الانقسام الداخلي أحد أخطر التحديات التي تواجه المشروع الجنوبي.
فالجنوب ليس كتلة سياسية واحدة، بل يضم مكونات وقوى سياسية واجتماعية وقبلية ومدنية متعددة، ولها رؤى مختلفة بشأن شكل الدولة ومستقبلها والعلاقة مع القوى الإقليمية.
ولهذا فإن قدرة المجلس الانتقالي على استيعاب هذا التنوع ستكون من أهم عوامل نجاحه.
وتشير الوثيقة التعريفية للمجلس إلى أنه لا يقدم نفسه باعتباره بديلًا عن كل المكونات الجنوبية، وإنما كإطار يضم أطيافًا ومكونات جنوبية مختلفة، مع الإقرار بأن التباينات في الرؤى يمكن التعامل معها عبر الحوار والتوافق أو عبر آليات ديمقراطية مستقبلية.
وهذه النقطة تمثل اختبارًا حقيقيًا للمجلس: فكلما اتسعت مساحة المشاركة السياسية الجنوبية، أصبح من الأسهل تقديم قضية شعب الجنوب أمام المجتمع الإقليمي والدولي باعتبارها قضية ذات قاعدة اجتماعية واسعة وليست مشروع فصيل واحد.
_ الرسالة إلى الإقليم والمجتمع الدولي
لا يعيش الجنوب بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي. فالموقع الجغرافي للجنوب، وامتلاكه سواحل طويلة وموانئ وممرات بحرية استراتيجية، يجعل استقراره جزءًا من أمن المنطقة.
ولهذا فإن أي مشروع سياسي جنوبي يحتاج إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
كما أن المجتمع الدولي سيكون معنيًا بأي ترتيبات سياسية مستقبلية تخص الجنوب واليمن، ما يجعل قدرة القوى الجنوبية على تقديم خطاب سياسي واضح ومنظم وقابل للحوار عاملًا مهمًا في التأثير على مسار التسوية.
وفي هذا الإطار، لا تكفي لغة المواجهة وحدها. فالمشروع السياسي القادر على الاستمرار هو المشروع الذي يجمع بين قوة الموقف السياسي ومرونة التفاوض، وبين التمسك بالمبادئ والقدرة على إدارة العلاقات الدولية.
_ هل يستطيع المجلس تجاوز مرحلة الضغط؟
السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كان المجلس الانتقالي قد واجه انتكاسات أو ضغوطًا، بل ما إذا كان قادرًا على تحويل هذه الضغوط إلى فرصة لإعادة بناء مشروعه.
فالأحداث التي شهدها الجنوب خلال 2026 كشفت أن موازين القوى يمكن أن تتغير بسرعة، وأن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لا يضمن الاستمرار السياسي. وفي المقابل، أظهرت التحركات الجماهيرية والتنظيمية خلال الأشهر الأخيرة قدرة المجلس على الحفاظ على حضوره السياسي والشعبي، بحسب ما تظهره بياناته وأنشطته المحلية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مراجعة شاملة للأداء السياسي والتنظيمي، وتعزيز وحدة الصف، وتوسيع المشاركة، وإعطاء الأولوية للمؤسسات، وتطوير الخطاب السياسي والإعلامي، مع المحافظة على الحضور الجماهيري.
_ الرئيس الزُبيدي والمرحلة المقبلة
يبقى الرئيس عيدروس الزُبيدي عنوانًا مركزيًا في المشهد السياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي وشعب الجنوب، ويظل انتظار عودته يحمل دلالة سياسية ورمزية كبيرة لدى شعب الجنوب.
لكن عودة القيادة، مهما كانت أهميتها، يجب أن تترافق مع مرحلة جديدة من العمل السياسي، تقوم على ترتيب البيت الجنوبي، وتوحيد الخطاب، وتقديم رؤية واضحة للدولة المنشودة، وفتح قنوات الحوار مع مختلف المكونات الجنوبية، وتعزيز العلاقة مع المحيط الإقليمي والدولي.
فالقائد السياسي لا يقاس فقط بقدرته على قيادة مرحلة الصراع، وإنما كذلك بقدرته على قيادة مرحلة بناء المؤسسات والسلام والاستقرار.
وهنا تحديدًا سيكون الاختبار الحقيقي للرئيس القائد الزُبيدي وللمجلس الانتقالي: هل يستطيعان تحويل سنوات النضال والتضحيات العسكرية والجماهيرية إلى مشروع سياسي ومؤسسي متكامل؟
_ الجنوب أمام اختبار التاريخ
يقف الجنوب أمام مرحلة تاريخية دقيقة. فقضية الجنوب، كما يراها شعب الجنوب ، لم تنتهِ بتغير موازين القوى، ولم تتراجع أمام الضغوط السياسية والعسكرية، وإنما تبحث عن صيغة جديدة لإعادة تقديم نفسها في المشهد الجنوبي واليمني والإقليمي.
ويستند المجلس الانتقالي في معركته السياسية إلى رصيد من الحضور الجماهيري والتنظيمي والعسكري، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديات حقيقية تتعلق بالوحدة الجنوبية، والإدارة، والاقتصاد، والعلاقات الإقليمية، والقدرة على التعامل مع المتغيرات السياسية.
وبينما تظل القوات الجنوبية في الذاكرة السياسية الجنوبية رمزًا للتضحيات التي قُدمت في ميادين القتال، فإن المرحلة الجديدة تتطلب أن تتكامل قوة الميدان مع قوة السياسة، وأن تتحول التضحيات إلى مشروع دولة ومؤسسات وقانون.
وفي النهاية، فإن صمود المجلس الانتقالي الجنوبي العربي لا يُقاس فقط بعدد الفعاليات أو البيانات أو المواقف السياسية، وإنما بقدرته على الحفاظ على قضية الجنوب، وتوحيد صفوف أبنائها، وتقديم مشروع سياسي قابل للحياة، وبناء الثقة داخليًا وخارجيًا.
أما انتظار عودة الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، فيظل بالنسبة إلى شعب الجنوب تعبيرًا عن التمسك بالقيادة والرهان على استمرار المشروع الذي ارتبط باسمه منذ تأسيس المجلس. غير أن عودة القيادة ستكون أكثر تأثيرًا إذا اقترنت بمرحلة سياسية جديدة، عنوانها الوحدة الجنوبية، والمؤسسات، والعمل السياسي المنظم، والحوار، وحماية الأمن والاستقرار.
وهكذا، فإن الجنوب لا يقف أمام خيار الصمود العسكري وحده، بل أمام معركة سياسية طويلة الأمد، تحتاج إلى وعي جماهيري، وإدارة سياسية، ومؤسسات قوية، وخطاب قادر على مخاطبة الداخل والخارج.
فالجبهات قد تحمي الأرض، والجماهير قد تحمي القضية، والقيادة قد توحّد الاتجاه، لكن الدولة لا تُبنى إلا بالمؤسسات والوعي والوحدة السياسية والإرادة الشعبية.
وفي هذه المعادلة، يظل مستقبل الجنوب مرتبطًا بقدرته على تحويل الصمود من حالة دفاعية إلى مشروع سياسي متكامل، يستطيع أن يثبت حضوره في أي ترتيبات قادمة، ويضع قضية شعب الجنوب في موقعها الذي تستحقه فهي قضية شعب يبحث عن حقه في تقرير مستقبله وصياغة دولته ومؤسساته بإرادته.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام المرحلة المقبلة: هل يستطيع المجلس الانتقالي، بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي، أن يحوّل الصمود الشعبي والعسكري والسياسي إلى إنجاز سياسي تاريخي يضع قضية الجنوب في صدارة أي تسوية قادمة؟
ذلك هو الاختبار الأكبر، وتلك هي المعركة السياسية التي ستحدد شكل المرحلة القادمة.