الإثنين - 03 أغسطس 2026 - الساعة 09:11 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ خاص
تحليل / احمد حرمل
يشهد الشرق الأوسط اليوم مشهدا سياسيا وعسكريا بالغ التعقيد، يتداخل فيه الإقليمي بالدولي، وتتصارع فيه المشاريع الإقليمية مع الرغبات الخارجية. فالصراع الأمريكي الإيراني، الذي بلغ أوجه في فترات متعددة، لم يعد مقتصرا على المواجهة البحرية في الخليج أو البرنامج النووي، بل تحول إلى حرب وجود بالوكالة تمتد من اليمن إلى سوريا ولبنان والعراق.
ورغم الضربات الأمريكية الموجعة لقادة الحرس الثوري وقواعد المقاومة، إلا أن إيران أثبتت قدرة فائقة على التكيف والتمدد، مستثمرة الفراغ السياسي وانهيارات الدولة الوطنية في العديد من البلدان العربية.
مآلات هذا الصراع أصبحت واضحة اليوم؛ فبعد عقود من محاولة احتواء طهران أو عزلها، أدركت واشنطن أن خيار المواجهة الشاملة مكلف جدا، وأن سياسة العقوبات القصوى لم تكسر ظهر النظام الإيراني، بل دفعته نحو تعزيز تحالفه الاستراتيجي مع الصين وروسيا. ومن تداعيات هذه المواجهة المستمرة تأجيج الانقسامات الداخلية في الدول العربية، واستنزاف اقتصاداتها في سباق تسلح طائفي، وتحويل صراعها الأساسي مع الاحتلال الإسرائيلي إلى مجرد أدوات في لعبة إقليمية كبرى.
وهو ما يقودنا بالضرورة لاستعراض كيف تم هندسة هذا التحول الكبير، ومن المستفيد منه، ولماذا بدأت الولايات المتحدة اليوم بإعادة النظر في لعبتها القديمة؟.
تسعى كل دولة في المقام الأول إلى تحقيق مصالحها الوطنية القصوى، قبل أن تفكر في مصالح حلفائها إن أمكن ذلك، وانطلاقاً من هذه القاعدة، يمكن قراءة التحولات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين من خلال عدسة استراتيجية أمريكية ممنهجة، هدفت إلى إعادة تشكيل خريطة الصراع الإقليمي، ليس عبر مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بل عبر تحويل الصراع العربي الإسرائيلي التاريخي إلى صراع طائفي سني شيعي، بما يخدم الأجندة الأمريكية والإسرائيلية على حد سواء.
لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل كان استراتيجية أمريكية متعمدة لتفكيك الجبهة العربية الموحدة التي كانت تشكل ثقلا ضد إسرائيل، فبدلا من مواجهة عدو واحد واضح، انشغلت الدول العربية بتهديد وجودي جديد هو المد الشيعي الإيراني، مما سمح لإسرائيل بالخروج من عزلتها الإقليمية والتحالف علنا مع دول عربية سنية كالإمارات والبحرين تحت مظلة مواجهة إيران، وبهذا الشكل تحولت القضية المركزية للأمة العربية إلى مجرد أداة في لعبة التوازنات الإقليمية.
اتبعت واشنطن سياسة فرق تسد بامتياز، فدعمت طرفا على حساب آخر وفقا للمصلحة اللحظية، متبنية نهجا مزدوجا متناقضا، ففي العراق دعمت الشيعة للإطاحة بنظام صدام حسين السني، وكانت النتيجة تسليم العراق بالكامل للتيار الشيعي، ظنا منها أنها تستخدم إيران كورقة ضغط ترهب بها دول الخليج وتمارس ابتزازا سياسيا لها، وفي سوريا دعمت الفصائل السنية المعارضة للنظام العلوي الأقرب تشيعا وحليف إيران سعيا لإضعاف محور المقاومة، وفي لبنان انحازت لتيارات سنية ضد نفوذ حزب الله الشيعي مما عزز الانقسام الداخلي وأذكى الفتنة.
وهكذا لعبت واشنطن على كل المتناقضات، تدعم الشيعة ضد السنة في بلد، وتفعل العكس تماما في بلد آخر، دون أي اعتبار للوحدة الوطنية أو الاستقرار الداخلي، بل سعيا وراء أهدافها الجيوسياسية البحتة.
إلا أن هذه السياسات التكتيكية لم تكن سوى الوجه الظاهر لمشروع استراتيجي أشمل تبنته واشنطن وعرف بـ "مشروع الشرق الأوسط الجديد"، الذي غضت الطرف عنه مؤقتا بعد أن غرقت في مستنقعي العراق وأفغانستان، لكن ثورات الربيع العربي جاءت لتُنفذ هذا المشروع بالنيابة عنها، دون أن تدفع أمريكا كلفته البشرية أو المالية، بل تحملت الشعوب العربية وحدها فاتورته الباهظة.
يقوم هذا المشروع على ثلاث مراحل مترابطة وممنهجة:
المرحلة الأولى: الفوضى الخلاقة، بمعنى خلق فوضى منظمة للشعوب، لكنها كانت خلاقة بالنسبة للولايات المتحدة، حيث أتاحت لها فرصا هائلة لعقد صفقات بيع سلاح، وإسقاط أنظمة غير مرغوبة، وتأسيس أدوات نفوذ جديدة، وإعادة رسم موازين القوى الداخلية في كل بلد على حدة، وإيجاد حالة من التوازن الهش الذي يخدم مصالحها ويحقق أهدافها.
المرحلة الثانية: مرحلة التفكيك، حيث عملت على تفكيك الأطراف القوية وتعزيز الأطراف الضعيفة الا ان وصلت الى ايجاد حالة من التوازن تسمى توازن الضعف بحيث لا يستطيع اي طرف حسم الصراع وفرض اجندته ، وأذكت الصراعات الداخلية وعززت حالة الانقسام المجتمعي، واتبعت نهج إدارة الأزمات بدلا من حلها، بهدف استنزاف القوى المتصارعة وإطالة أمد النزاعات، ونقلت ملفات الصراع من الداخل إلى الخارج لتغدو رهينة للتسويات الدولية والإقليمية، مما جعل الشعوب في حالة استنزاف دائم لا ينتهي.
المرحلة الثالثة: مرحلة إعادة التركيب، وهي المرحلة التي تداخل فيها البعد الوطني مع الإقليمي والدولي، وأصبحت مفاتيح القرار في كل دولة عربية بيد أطراف خارجية، لأن لعبة الأمم الكبرى لا يجيدها غير اللاعبين الكبار.
نموذج اليمن: تطبيق مكثف لمراحل المشروع وغموض المصير المحلي
تتجلى هذه المراحل بوضوح في الحالة اليمنية التي مثلت مختبرا خصباً لتطبيق الاستراتيجية الأمريكية عبر أدوات إقليمية.
ففي مرحلة الفوضى الخلاقة، تم استغلال الفراغ الذي خلفه الربيع العربي لقلب نظام الحكم في صنعاء، ودفع جماعة الحوثي (الزيدية القريبة من المذهب الشيعي) للتوسع عسكريا مدعومة من إيران، مما خلق حالة من الفوضى المنظمة التي أتاحت لقوى إقليمية كالسعودية والإمارات التدخل المباشر، وفتحت الباب أمام صفقات تسلح ضخمة واستنزاف مالي غير مسبوق.
وإذ تعمّق التصدّع اليمني في مرحلة التفكيك، حتى انهارت مؤسسات الدولة وتمزق الوطن إلى كانتونات متناحرة، استغلت الأطراف الخارجية هذا الفسيفساء لتأجيج النزاع وإطالة عمر الأزمة، بما يضمن استمرار الاستنزاف ويعيق تحقيق أي نصر حاسم. ولم ينتج عن ذلك سوى حالة جمود مركّبة تصنّف بأنها ليست حرباً تقليدية ولا سلماً مستقراً، هذه الحالة هي التي أوجدت فراغاً سياسياً طويل الأمد، وأفقدت القوى الفاعلة مقومات الانتقال من ركام الفراغ إلى معترك المخاض السياسي الجاد وهذا نتاج طبيعي لتحالف الضرورة الذي جمع قوى غير متجانسة، تاركة البلد وجيرانه الخليجيين في دائرة استنزاف لا تنتهي.
أما في مرحلة إعادة التركيب اليمنية، فيبرز سؤال وجودي حاسم ومصيري: هل سيكون الجنوب جهازا مستقلا بذاته أم مجرد قطعة داخل جهاز ؟ الحقيقة أن هذا السؤال لا يعرفه الاجابة عليه أحد، لا في صنعاء ولا في عدن، ولا حتى في الرياض أو أبوظبي، وذلك لأن القرار لم يعد محليا البتة.
لقد خرج ملف المصير النهائي للبلاد من أيدي اليمنيين تماما، فأصبح مجرد ورقة مساومة في لعبة دولية وإقليمية كبرى بين الاطراف الدولية الفاعلة واجهته السعودية والإمارات من جهة، وإيران من جهة أخرى، وبرعاية أمريكية لا تتوانى عن استخدام الملف اليمني كورقة ضغط في مفاوضاتها النووية والإقليمية مع طهران.
من هذا المنطلق، لا مصير الشمال بيد الشماليين، ولا مصير الجنوب بيد الجنوبيين؛ فالجميع رهائن لتسويات تتم في عواصم بعيدة، تحت طاولات المفاوضات التي لا يسمع صوت اليمنيين فيها. هذا الغموض المصيري ليس عيبا في الخطة، بل هو جوهرها، لأنه يبقي الجميع في حالة ترقب واعتماد على الراعي الخارجي، مما يعمق حالة العبث السياسي ويجعل أي حديث عن دولة وطنية ذات سيادة مجرد سراب في صحراء الصراعات الإقليمية.
وهكذا تحولت مفاتيح القرار في اليمن من صنعاء وعدن إلى طهران وواشنطن والرياض، وأصبح اليمن نفسه مجرد هامش في معادلات القوة العالمية، تدفع شعوبه ثمن هذه اللعبة من جوع وحصار ونزوح.
كانت هذه المرحلة الثالثة على وشك الاكتمال وترتيب أوضاع المنطقة وفق الرؤية الأمريكية الجديدة، إلا أن المتغيرات العالمية الكبرى عطلت هذا المشهد، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية التي أعادت رسم خريطة الأولويات الدولية، ثم حرب غزة التي فجرت الوضع الإقليمي، وأخيرا النزاع المسلح المباشر بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مما حول بلدان الوطن العربي بما فيها اليمن إلى مجرد هامش ثانوي في معادلات القوة العالمية، وكشف هشاشة المشاريع التي بنيت على رمال الطائفية والانقسام.
لقد أدت هذه السياسة وظيفتها التكتيكية في البداية بتفكيك التضامن العربي، لكن سرعان ما ظهرت النتائج العكسية الكارثية من وجهة النظر الأمريكية، فبدلا من تثبيت نظام عميل في بغداد أصبحت العراق حليفا استراتيجيا لإيران، وامتد النفوذ الايراني من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وحتى صنعاء مكونا الهلال الشيعي الذي كان يمثل كابوسا استراتيجيا للمعارضين، كما حوّل النفوذ الايراني في العراق والتدخل في اليمن المنطقة إلى ساحات لحرب أهلية طائفية، وأوجد فراغات أمنية هائلة ساعدت على صعود تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسوريا، وزادت من معاناة اليمنيين الذين تحولوا إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم، مما كلف أمريكا وحلفاءها الكثير من الاستقرار والأرواح والمال.
لقد أدى الصراع السني الشيعي وظيفته في مرحلة معينة من حيث تفكيك التضامن العربي وإشغال إيران في صراعاتها الإقليمية، لكن في الحاضر أصبح هذا الصراع عبئا استراتيجيا على واشنطن، فإضعاف الدولة الوطنية في العراق وسوريا ولبنان واليمن وخلق فراغات لم تخدم الاستقرار العالمي، بل هددت مصالح النفط وأمن إسرائيل نفسها في بعض الأحيان، علاوة على ذلك فإن استمرار التوتر الطائفي دفع دول الخليج للبحث عن ضمانات أمنية بديلة، وآخرها التقارب مع الصين وروسيا مما يهدد الهيمنة الأمريكية المطلقة في المنطقة.
لذا نلاحظ اليوم تحولا في الخطاب الأمريكي نحو احتواء الصراع الطائفي، والسعي لتشكيل تحالفات إقليمية جديدة تقوم على المصالح الأمنية المشتركة بدلا من التقسيم الطائفي، بل إن المؤشرات تشير إلى أن واشنطن قد تكون مستعدة لدعم السنة في العراق ضد الحشد الشعبي الشيعي، في إعادة إنتاج ذات النمط القديم من اللعب على المتناقضات، ولكن هذه المرة لتصحيح أخطائها السابقة وليس لتعميق الفتنة.
في المحصلة، تطرح هذه السياسات المتقلبة تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار في المنطقة، لقد أثبت التاريخ أن الرهان على الطائفية كأداة سياسية هو سلاح ذو حدين ينقلب على صانعه، وأن نموذج اليمن تحديدا يقدم درسا قاسيا في كيفية تحويل دولة غنية بمواردها وتنوعها إلى خراب شامل لمجرد أنها أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث أضحت القضية الجنوبية والقضية المتمثلة في نضال الجنوبيين من احل استعادة الدولة والصراع على السلطة في الشمال على حد سواء مجرد أوراق في لعبة كبار .
وحان الوقت لإدراك أن المنطقة لن تنعم بالأمان إلا بتجاوز هذه الانقسامات المصطنعة، والعودة إلى جوهر الصراع الحقيقي المتمثل في الاحتلال والقدس وحقوق الشعوب، بعيدا عن التوظيف الخارجي للصراعات الداخلية، وبعيدا عن سياسة الاستقواء بالخارج على حساب النسيج الوطني الداخلي.
فما يحدث اليوم من تحولات كبرى على الساحة الدولية يقدم فرصة تاريخية للعرب لاستعادة زمام المبادرة، وبناء مشروع نهضوي يقوم على المصالح المشتركة والتنمية بدلا من الوقوع في شرك المحاور والصراعات الوهمية، وأن يكون مستقبل اليمن والعراق وسوريا ولبنان قرارا وطنيا خالصا لا خاضعا لصفقات الكبار، وإلا ستظل المنطقة رهينة لدورات لا نهائية من العنف والاستنزاف.