اخبار وتقارير

الخميس - 23 يوليو 2026 - الساعة 09:18 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ د. أمين العلياني




في خضم الصراع المحتدم على معنى الوجود الجنوبي ومآلاته، وفي غمرة التدافع السياسي الذي يبتلع الأحلام الكبرى ويحيلها إلى فتات تفاوضي على موائد الوصاية الإقليمية وغرف الاجتماعات المغلقة، ثمة محاولة ممنهجة ومكشوفة المعالم لإعادة تعريف قضية شعب الجنوب تعريفًا ينتزع منها جوهرها السياسي والتاريخي، ويختزلها في مربع ضيق من المطالب الاجتماعية والتمثيلية التي يمكن احتواؤها بسهولة داخل إطار الدولة اليمنية الواحدة، وكأن ثلاثة عقود من الاحتلال والمعاناة والتضحيات والدماء التي طهرت ثرى الجنوب العربي لم تكن سوى بحث عن حصة في سلطة قائمة، لا استعادة نظام دولة سُلِب بقوة الاحتلال العسكري الغاشم في صيف 1994.

لا مشاحة في أن تسعى وصاية إقليمية أو دولية، أو حتى احتلال يمني، في تصفير قضية شعبك أو أن تتآمر وتتحايل في تصغيرها ومحاولة طمس معالمها الأساسية، لأن الوصاية الإقليمية والمحتل اليمني ينظران بدهاء الخبير بمصالحه إلى قضايا أي شعب يحاول أن يخرج من عباءة الاحتلال والتبعية والوصاية أو يطالب بالاستقلال عنها واستعادة دولته المستقلة ذات السيادة الكاملة، فتلك الوصاية وذلك المحتل في حالة انكشاف دائم لمشاريعهم الحقيقية، وفي محاولات مستمرة ومتواصلة لمحاربة الشعب الجنوبي في أكثر من ملف، سواء أكان ذلك عبر حرب الخدمات المنظمة والتدهور المعيشي الممنهج الذي يرهق كاهل المواطن الجنوبي ويسحقه تحت وطأة الاحتياج اليومي، أم عبر شراء الذمم وتفريخ المكونات والمجالس التنسيقية التي تدين بالولاء لهم وتعمل وفق أجنداتهم، أم عبر تمزيق الهوية الوطنية الجامعة إلى هويات محلية ضيقة يغذيها هنا ويدعمها هناك، بهدف شق الصف الجنوبي وتشتيته ليتآمر بعضه معهم على مشروعه السياسي التحرري، ويتحايلوا جميعًا على إرادة الشعب وتطلعاته المشروعة في استعادة دولته.

ولكن الأسوأ في الأمر، والأكثر مرارة وإيلامًا للضمير الجمعي الجنوبي، هو أن تتحول أدوات جنوبية كانت بالأمس القريب ترفع شعار المشروع السياسي الجنوبي وتناضل في نصرة تطلعات الشعب في استعادة دولته المستقلة كاملة السيادة، إلى أدوات تصغر مشروع هذا الشعب وقضيته السياسية العادلة، وتحاول أن تصورها على أنها مجرد قضية تمثيل اجتماعي يسهل احتواؤه واستيعابه ضمن صيغ دستورية وقانونية في إطار الدولة اليمنية، وحسب المعلومات المؤكدة والموثقة التي باتت متداولة في أروقة السياسة والمراقبة الإقليمية، فإن المساعي الحثيثة لأدوات مسار الرياض، عبر ما يسمى بالسلطات المحلية، والرامية إلى تشكيل فئات مجتمعية ومجالس تنسيقية متعددة ومتنافرة، تهدف في جوهرها إلى تصوير أن الجنوب ليس قضية سياسية وجودية في استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة، وإنما هي أزمة سلطة يجب أن تتمثل فيها كل أطياف المجتمع الجنوبي وتشارك فيها، لئلا ينفرد بها كيان جنوبي واحد ويدعي تمثيلها حصرًا، سواء أكان ذلك التمثيل في إطار أقاليم ضمن ما يسمى باليمن الاتحادي، أم في إطار حكم محلي واسع الصلاحيات تحكم فيه كل محافظة نفسها بنفسها تحت سقف الجمهورية اليمنية، وكأن الدولة الجنوبية التي قامت على أسس دستورية وسيادية قبل الوحدة المشؤومة لم تكن يومًا حقيقة تاريخية وسياسية قائمة بذاتها.

إلى هذه الدرجة من الاستخفاف المهين، وإلى هذا الحد من التسطيح المتعمد، يستخف هؤلاء بإرادة هذا الشعب العظيم وتضحياته الجسام ومعاناته الممتدة لثلاثة عقود من الاحتلال والقهر والإذلال والقتل والتشريد والنهب الممنهج لكل مقدراته وثرواته، وكأن كل هذا الإرث الموجع من التضحيات والدماء والدموع يمكن أن يُختزل في مطالب تمثيلية هامشية، أو أن يُحل في صيغة محاصصة سلطوية لا تتجاوز حدود المصالح الآنية الضيقة، في خيانة واضحة للتاريخ وللدم وللتطلع المشروع نحو الحرية والاستقلال واستعادة الهوية السياسية المسلوبة.