اخبار وتقارير

الجمعة - 30 يناير 2026 - الساعة 02:11 م بتوقيت عدن ،،،

4مايو/تقرير خاص_مريم بارحمة



العاصمة عدن شهدت، صباح الخميس 29 يناير 2026م، حدثًا سياسيًا بالغ الحساسية، تجاوز كونه إجراءً أمنيًا عابرًا ليُشكّل تطورًا خطيرًا مسّ جوهر العمل السياسي الجنوبي ومؤسساته التمثيلية. فقد أقدمت قوات العمالقة المتواجدة في مقر الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمديرية التواهي في العاصمة عدن على إغلاق المبنى بشكل كامل، ومنع دخول أعضائه ومنتسبيه وموظفيه، بتعليمات مباشرة من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.
هذا التطور فتح بابًا واسعًا للتساؤلات السياسية والقانونية حول طبيعة القرار، وتوقيته، وأبعاده، وانعكاساته على مستقبل العمل السياسي الجنوبي، في مرحلة تتسم بتعقيد المشهد وتشابك المصالح، وتصاعد الوعي الشعبي الجنوبي بحقه في التمثيل السياسي والمؤسسي.





-الجمعية العمومية رمزية سياسية لا تُختزل في مبنى

الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي الجنوبي، التي تضم في إطارها الجمعية الوطنية ومجلس المستشارين، لا تُعد مجرد مقر إداري، بل تمثل الإطار السياسي الجامع والمعبر عن إرادة الشعب الجنوبي. وتحت قبتها تتجسد مختلف أطياف الطيف الجنوبي، وتُناقش القضايا الوطنية، وتُنقل هموم المواطنين ومعاناتهم، وتُدافع عن حقوقهم وتطلعاتهم المشروعة.
ومن هذا المنطلق، فإن إغلاق مبنى الجمعية العمومية لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري أو أمني محدود، بل يُقرأ سياسيًا بوصفه استهدافًا مباشرًا لمؤسسة تمثيلية محورية، ومحاولة لتقييد الفعل السياسي الجنوبي المنظم، والنيل من أحد أبرز عناوين الإرادة الشعبية في الجنوب.




-منطق القوة في مواجهة العمل السياسي

البيان الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي وصف ما جرى بأنه محاولة سافرة لتكميم صوت الشعب الجنوبي، وإعادة إنتاج ممارسات الشمولية السياسية، وفرض الوصاية على العمل الوطني، وتضييق مساحات الفعل السياسي. وهي توصيفات تعكس إدراكًا عميقًا لخطورة اللجوء إلى القوة العسكرية في التعامل مع مؤسسة مدنية سياسية.
محللون سياسيون أشاروا إلى أن استخدام السلاح أو القوة لفرض قرارات سياسية يعكس أزمة في إدارة الخلاف، ويفتح الباب أمام توترات غير محسوبة، خاصة في ظل حالة الاحتقان الشعبي، والأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة، التي تجعل من أي خطوة استفزازية عامل تفجير إضافي للأزمات.



-موقف الانتقالي رفض قاطع ورسائل واضحة

أكد المجلس الانتقالي الجنوبي رفضه القاطع لأي محاولات لإعادة إنتاج ممارسات القمع والإقصاء، مشددًا على أن الجنوب قدّم تضحيات جسيمة من أجل التحرر وفتح آفاق الحريات، ولن يقبل بالعودة إلى عهود تكميم الأفواه ومصادرة الحقوق.
كما شدد على أن العمل السياسي السلمي، وحرية التنظيم والتعبير، حقوق أصيلة لا تقبل المساومة أو الانتقاص، ولا يمكن إخضاعها لمنطق القوة أو السلاح، في إشارة واضحة إلى أن ما جرى يمثل تجاوزًا للثوابت الوطنية والسياسية التي ناضل الجنوبيون من أجل ترسيخها.

حيث أدان المجلس واستنكر بشدة الإجراء التعسفي وغير المبرر، معتبرًا إياه اعتداءً صارخًا على الحريات العامة، وانتهاكًا فاضحًا لحق العمل السياسي المشروع، ومحذرًا من خطورة الاستمرار في مثل هذه الممارسات وتداعياتها على الاستقرار.
وعبّر عن رفضه المطلق لأي تصرفات أحادية تعيد إلى الأذهان ممارسات أنظمة سابقة استخدمت أدواتها الأمنية والعسكرية لقمع إرادة الشعب الجنوبي والنيل من حقوقه المشروعة.
كما حذر من أن هذه الإجراءات، في ظل حالة الاحتقان والغليان الشعبي الجنوبي، ستسهم في تعقيد المشهد وتأزيم الأوضاع، وستكون نتائجها وخيمة على الجميع دون استثناء.
وشدد البيان على أن العمل السياسي والحقوقي في العاصمة عدن وكافة محافظات الجنوب يجب أن يُمارس في بيئة آمنة، وبضمانات كاملة للحريات، مع رفض أي عسكرة للمؤسسات المدنية أو ترهيب سياسي بالقوة، داعيا المنظمات الدولية والحقوقية، والجهات المعنية بالحريات العامة، إلى تحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، والنظر الجاد في هذا التوجه الخطير الذي يُراد به مصادرة حق الشعب الجنوبي في ممارسة نشاطه السياسي المشروع، في مخالفة صريحة للمواثيق والعهود الدولية.
وطالب المجلس الانتقالي الجهات المعنية بالعدول الفوري عن قرار إغلاق مبنى الجمعية العمومية، وإلغاء هذا الإجراء التعسفي بشكل كامل، وعدم تكرار مثل هذه القرارات مع أي من مؤسسات وهيئات المجلس الانتقالي الجنوبي، لما لذلك من أثر مباشر في تفاقم الأوضاع وتهديد السلم المجتمعي والاستقرار العام.




-تصعيد خطابي يواكب التوتر السياسي

شهدت العاصمة عدن، بالتوازي مع إغلاق مقر الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي الجنوبي، صدور بيان من "المقاومة الجنوبية" بالجنوب، عبّرت فيه عن موقف تصعيدي حاد، اعتبر ما جرى استهدافًا مباشرًا لمكتسبات الجنوب وقياداته ومؤسساته الوطنية.
البيان، الذي تداولته منصات محلية، استند إلى خطاب تعبوي عالي النبرة، وربط بين الإجراءات الأخيرة وما وصفه بـ"الاعتداء على الإرادة الجنوبية"، محذرًا من تداعيات ما اعتبره تجاوزًا للخطوط الحمراء. كما تضمّن دعوات وتهديدات تعكس مستوى الاحتقان والغضب الشعبي المتصاعد في الشارع الجنوبي، في ظل تزايد الشعور بأن المسار السياسي يتعرض لمحاولات تقويض بالقوة.
سياسيًا، يعكس هذا البيان حجم التوتر الذي تشهده العاصمة عدن ومحافظات الجنوب، ويكشف عن انتقال الأزمة من مربع الخلافات السياسية والمؤسسية إلى مستوى أكثر حساسية، يتمثل في تصاعد الخطاب الراديكالي لدى بعض الأطراف، وهو ما ينذر بمخاطر جدية على الاستقرار والسلم المجتمعي إذا لم يتم احتواء الموقف سريعًا عبر المعالجات السياسية والحوار.
ويرى مراقبون أن صدور مثل هذه البيانات، مهما كانت دوافعها، يشكّل مؤشرًا خطيرًا على عمق الأزمة، ويضع الجهات المعنية أمام مسؤولية تاريخية لمعالجة جذور الاحتقان، واحترام العمل السياسي السلمي، ومنع انزلاق الأوضاع نحو مسارات غير محسوبة العواقب.



-تضامن جنوبي واسع وحدة موقف ورسالة سياسية

التضامن الواسع الذي عبّرت عنه الهيئات المحلية للمجلس الانتقالي في محافظات شبوة، حضرموت، المهرة، عدن، لحج، والضالع، أكد أن ما جرى يُنظر إليه باعتباره استهدافًا للإرادة الجنوبية برمتها، وليس لمقر أو هيئة بعينها.
وقد توحدت المواقف في إدانة الإغلاق واعتباره اعتداءً سياسيًا سافرًا، وتجاوزًا خطيرًا للخطوط الحمراء، مع التحذير من الزج بالقوات العسكرية في مهام سياسية مشبوهة تستهدف العمل الوطني الجنوبي.




-الاحتشاد السلمي خيار سياسي

دعوة انتقالي العاصمة عدن إلى الاحتشاد السلمي أمام مقر الجمعية العمومية في التواهي تمثل رسالة سياسية واضحة، تؤكد التمسك بالوسائل السلمية والقانونية في مواجهة ما وُصف بالاعتداء السياسي، وتضع الأطراف الأخرى أمام اختبار حقيقي لاحترام حق التعبير السلمي.



-حجم التحديات

إغلاق الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي الجنوبي شكّل محطة مفصلية في مسار المشهد السياسي الجنوبي، وكشف بوضوح حجم التحديات التي تواجه العمل السياسي والمؤسسي. وهو حدث يضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية إما احترام الإرادة الشعبية والمؤسسات الوطنية، والذهاب نحو شراكة حقيقية قائمة على الحقوق والحريات، أو الاستمرار في نهج الإقصاء واستخدام القوة، بما يحمله من مخاطر جسيمة على الاستقرار والسلم المجتمعي. ويبقى الثابت أن الجنوب، بتجربته ونضاله وتضحياته، لن يقبل بالعودة إلى مربعات القمع، وأن الدفاع عن مؤسساته وحقه في العمل السياسي السلمي سيظل واجبًا وطنيًا لا تراجع عنه.