كتابات وآراء


الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 02:49 م

كُتب بواسطة : علي سيقلي - ارشيف الكاتب



في السياسة، لا تبقى التحالفات ثابتة، ولا تستمر الخصومات على صورتها الأولى. فحين تتغير موازين القوى، يعاد تعريف العدو والصديق وفقًا للمصلحة، لا وفقًا للعاطفة أو المواقف السابقة.
من هذا المنطلق، يرى كثير من الجنوبيين أن قضيتهم الوطنية لم تحظ باعتراف القوى الشمالية بمختلف توجهاتها، سواء كانت الحكومة اليمنية أو جماعة الحوثي. كما يشعر قطاع منهم بأن القرار الجنوبي لم يعد مستقلًا بالقدر الكافي، وأن التدخلات الإقليمية أسهمت في إبعاد الجنوب عن التأثير الحقيقي في مسار الأحداث.
وبناءً على هذه القراءة، يبرز سؤال سياسي مهم: لماذا يخوض الجنوبي معركة لا يملك قرارها ولا يجني ثمارها؟
فإذا كانت الحرب تُدار بقرارات خارجية، بينما تُخاض على الأرض الجنوبية، فمن الطبيعي أن يعيد الجنوبي تقييم موقعه منها، وأن يبحث عن مصلحته قبل أن ينخرط في صراع لا يرى نفسه شريكًا في رسم أهدافه.
وفق هذا المنظور، فإن إضعاف أي طرف يمني لمصلحة قوة خارجية لا يُنظر إليه باعتباره مكسبًا وطنيًا، بل قد يؤدي إلى اختلال ميزان القوى الداخلي بما يمنح الخارج نفوذًا أكبر. ولهذا، يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الخلاف مع الحوثيين لا يعني بالضرورة القبول بأن تكون هزيمتهم على يد طرف أجنبي هي الخيار الأفضل، لأن نتائج ذلك قد تنعكس على مستقبل اليمن والمنطقة بأسرها.
وقد يسأل سائل: إذا كنت ترفض الاصطفاف ضد الحوثي، فكيف تتجاوز حقيقة ارتباطه بإيران؟
والجواب أن السياسة تُبنى على الواقع لا على الافتراضات. فأنا لا أتعامل مع ما يُقال في التحليلات بقدر ما أتعامل مع ما أراه على الأرض. لا أرى جنديًا إيرانيًا على أرضي، بينما أرى وجودًا سعوديًا حاضرًا في المشهد، يؤثر في القرار، ويشارك في رسم مسارات الحرب والسلام، وهو بالنسبة لي الواقع المباشر الذي يجب أن أتعامل معه.
ولذلك، فإن ترتيب الأولويات بالنسبة لي ينطلق من الخطر الذي أراه وألامسه، لا من العناوين التي تُرفع في الخطابات السياسية. فلا يمكن أن أُطالب بالمشاركة في إضعاف طرف يمني، بينما الطرف الخارجي ما يزال حاضرًا على أرضي ويمارس نفوذه بكل صلف.
إن تحويل اليمنيين إلى أدوات لخدمة صراعات الآخرين لن يقود إلى استعادة وطن، بل إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق الانقسام.
إن التذاكي السياسي، ومحاولة تصوير كل من يرفض التدخل الخارجي بأنه منحاز تلقائيًا للحوثي، لا يخدم الحقيقة، بل يختزل المشهد اختزالًا مخلًا. والأسوأ من ذلك أنه قد يتحول إلى غطاء يمنح النفوذ الخارجي شرعية الاستمرار، حتى يصبح التمدد أمرًا اعتياديًا، ويتم بأيدٍ يمنية قبل أن يكون بإرادة أجنبية.
وهنا تبرز مفارقة السياسة؛ فقد يتحول خصم الأمس إلى شريك مؤقت في مواجهة خطر أكبر، دون أن يعني ذلك انتهاء الخصومة أو تبدل القناعات. فالسياسة تعرف مفهوم "تلاقي المصالح"، ولا تشترط تطابق المبادئ.
ومن هذا المنطلق، فإن الأولوية ليست في الدفاع عن الحوثي، ولا في الانضمام إلى مشروعه السياسي، وإنما في رفض أن يكون مستقبل اليمن مرهونًا بإرادة السعودية. وحين يغادر كل نفوذ أجنبي هذه الأرض، سيبقى اليمنيون وحدهم أصحاب الحق في حسم خلافاتهم، وسيكون لكل طرف، شماليًا كان أم جنوبيًا، أن يدافع عن مشروعه السياسي بإرادته الحرة، لا بإملاءات الآخرين.
أما الاتهامات الجاهزة التي تُلصق بكل من يرفض التدخل الخارجي، فلا تغير من جوهر الموقف شيئًا. فرفض التدخل الأجنبي لا يعني تأييد الحوثيين، كما أن معارضة الحوثيين لا تستلزم القبول بأي وصاية خارجية. ويمكن للإنسان أن يختلف مع طرفين في آن واحد، وأن يحدد أولوياته السياسية وفق ما يراه أكثر خطرًا على وطنه.
وفي النهاية، فإن القضية بالنسبة لأصحاب هذا الطرح ليست الدفاع عن الحوثي، ولا الاصطفاف معه، وإنما الدفاع عن مبدأ يعتبرونه أساسًا لأي حل مستقبلي، وهو أن يكون تقرير مصير اليمن واليمنيين بيد أبنائه، بعيدًا عن الهيمنة الخارجية، مع احتفاظ كل طرف بحقه في الدفاع عن مشروعه السياسي عبر الوسائل السياسية التي يراها مشروعة.

قضي الأمر،،،

الجمعة الموافق 7 أغسطس 2026