الجمعة - 26 يونيو 2026 - الساعة 10:02 م
يقترن منطق التاريخ في حركة الجماعات البشرية بوعيها لذاتها، فلا يمكن قراءة التحولات السياسية الكبرى بمعزل عن الكرامة الجمعية التي تشكل المحرك الحقيقي للرفض والقبول، ومن هنا يتجلى الخطأ البنيوي في تصور إمكانية دفع الجنوبيين نحو صياغة اتحادية أو فيدرالية مع اليمن عبر آليات الإكراه والضغوط المتنوعة، فالنزوع نحو فرض التسويات انطلاقا من توهم ضعف الطرف الآخر ليس إلا قصر نظر يغفل طبائع الوعي السياسي والاجتماعي، إذ لا يحتاج الواقع التاريخي إلى إشعار الجنوبيين بمرارة الهزيمة أو ترويضهم على القبول بالفيدرالية كأمر واقع فرضته توازنات القوة اللحظية، مثلما لا يتطلب المشهد إظهار الأطراف اليمنية بمختلف مشاربها في مظهر المنتصر المتفوق الذي يملك وحده حق إملاء الشروط ورسم معالم المستقبل بناء على حسابات الغلبة الفجة، وحيث تبدو المحاولات الرامية إلى كسر الإرادة الشعبية وتشويه مسار القضية الجنوبية والنيل من الرموز والقيادات وسيلة لفرض الإذعان، تتبدى النتيجة العكسية كقانون حتمي يرفض الانصياع لخداع القوة العارية، فالشعوب التي اختبرت مسارات التضحية وصاغت هويتها عبر مخاضات عسيرة لا تزيدها حملات التشويه الأخلاقي لقادتها أو محاولات الانتقاص من تطلعاتها إلا تمسكا بوجودها التاريخي، ويصبح المساس بالقيمة المعنوية للرموز دافعا حيويا لرفض صيغ التسوية المجتزأة التي لا تستوعب التطلع المشروع في الاستقلال الناجز واستعادة كيان الدولة الجنوبية السيادي، وتغدو الأوهام التي تراهن على الحلول القسرية مجرد تكرار لأخطاء العقلية الاستعلائية التي ترى في تنازل الضعيف مكسبا ثابتا، بينما يقرر المنطق الموضوعي كون الفيدرالية، لو قُدر لها أن تكون مسارا للنقاش، لا يمكن قبولها إلا كخيار ينبثق من شعور متبادل بالقوة والندية وصون الكرامة الوطنية، فالمعادلات السياسية التي تُبنى على استغلال الضعف الموهوم لرفض مطالب الشعوب تمس الجوهر الحيوي الأنطولوجي للكرامة الإنسانية، مما يجعل الاتفاقات الناتجة عنها مجرد حبر على ورق يفتقد الشرعية التاريخية والاستقرار المستقبلي، وتسجل تجارب التاريخ كون الشعوب الحية تبدي مرونة أوسع وقابلية واضحة لتقديم التنازلات السياسية عندما تتحرك من أرضية صلبة قوامها الأنفة والكبرياء والشعور بالاقتدار، حيث يمثل التنازل في اللحظة ذاتها خيارا واعيا نابعا من تقدير المصلحة العليا وليس إقرارا بالعجز أو رضوخا لشروط الغالب، فالشعوب ذات الأصالة والجذور الضاربة في عمق الجغرافيا والتاريخ تجعل من كرامتها خطا أحمر لا ينال منه تقلب الموازين العسكرية، وهي تستطيع التماهي مع مرونة العمل السياسي والتفاوضي مع الحفاظ التام على شموخها دون الاضطرار للتوقيع على وثائق الإذعان أو القبول بسياسة الأمر الواقع التي تلغي هويتها، وحين يغيب التكافؤ النفسي والسياسي، يصبح من المستحيل على شعب يمتلك إرثا حافلا بالشهداء والتضحيات الجسيمة أن يضع توقيعه على حل ينتقص من طموحاته السياسية لمجرد إحساس لحظي بالضعف، لكون التنازل الحقيقي والمسؤول لا يتأتى إلا من موقع القدرة على الامتناع والرفض وامتلاك خيارات بديلة تحمي العملية التفاوضية من السقوط في درك التبعية، ومصداق ذلك كون تقديم التنازل من موقع الاقتدار يعكس نضجا سياسيا يعيد ترتيب الأولويات دون المساس بالثوابت، في حين يمثل التنازل تحت وطأة الانكسار اعترافا صريحا بالهزيمة السياسية والمعنوية، وهو ما ترفضه الضمائر الجمعية للشعوب الحرة التي تفضل الاستمرار في المواجهة التاريخية على القبول بسلام زائف يكرس التبعية ويلغي الذات.