الأحد - 14 يونيو 2026 - الساعة 11:34 م
من الصعب على أي متابع للمشهد في جنوبنا الحبيب أن يتعامل مع ما يحدث على أنه مجرد مصادفات متفرقة؛ فالأزمات تتوالى في وقت واحد، والنتيجة واحدة هي إشغال شعب الجنوب عن قضيته المتمثلة بطرد الاحتلال بشقيه السعودي والشمالي؛ فالكهرباء شبه غائبة، وأزمات الغاز تتكرر و الرواتب تتاخر الشهر والأربعة الأشهر أو متوقفة، و الحملات الإعلامية لا تتوقف عن تحميل المجلس الانتقالي مسؤولية كل شيء، مع تضخيم بعض الحوادث الفردية وفبركة بعضها الآخر؛ بالمقابل يبرز نشاط لافت للجماعات الإرهابية،
الأمر لا يتوقف عند الجانب المعيشي والإعلامي، بل يمتد إلى استهداف معسكرات القوات الجنوبية كما فعلت المسيرات السعودية مع اللواء الأول عمالقة بعدن واللواء الرابع حزم بالصبيحة ، ضف إلى ذلك إبعاد بعض القيادات، ومحاولات التضييق على الحضور السياسي الجنوبي، وآخر تلك المحاولات ما يتعلق بالسعي لإغلاق مقر المجلس الانتقالي الجنوبي، في خطوة تستهدف الإرادة السياسية التي يمثلها٠
السؤال الذي يفرض نفسه هنا لماذا تتجه كل هذه الضغوط نحو هدف واحد؟ ولماذا تأتي في توقيت واحد؟ فالمشهد يبدو وكأنه أجزاء من خطة واحدة أكثر منه أحداث منفصلة٠
هذه الأساليب لا تعكس قوة الاحتلال بقدر ما تعكس أزمة لديه؛ فالقوى الواثقة من مشاريعها لا تحتاج إلى صناعة الأزمات ولا إلى إدارة الفوضى ولا إلى التضييق على خصومها السياسيين ،أما حين يصبح الضغط الاقتصادي، وتعطيل الخدمات، وإثارة التوترات أدوات متكررة، فإن ذلك يوحي بأن الاحتلال يعاني عجزاً عن تحقيق أهدافه بالوسائل الطبيعية، فيلجأ إلى استنزاف الآخرين، هذا النهج يذكّرنا بتجارب السعودية في بلدان أخرى كأفغانستان والعراق وغيرها و لم تحقق السعودية مرادها رغم ما امتلكته من نفوذ وإمكانات؛ فالمشكلة هنا ليست في نقص الأدوات، بل في الرهان المتكرر على وسائل أثبتت أن بإمكانها إزعاج الشعوب وإثقال كاهلها، لكنها تفشل في كسر إرادتها أو تغيير قناعاتها؛ ولذلك فإن تكرار هذه السياسات يُقرأ باعتباره مؤشر على ارتباك سياسي وعجز عن فرض الوقائع بالوسائل التي جُرّبت مراراً ولم تحقق أهدافها.
شعب الجنوب يدرك أن المعركة لم تعد عسكرية فقط بل هناك من يحاول استخدام لقمة العيش، والخدمات، والإعلام، والضغوط السياسية كأدوات لتحقيق ما عجزت عنه وسائل أخرى، والغاية الواضحة هي دفع الناس إلى حالة من الإحباط والانشغال بالأزمات اليومية بدلاً من التركيز على قضيتهم الوطنية٠
لكن الرد على هذه الأساليب لا يكون بالتذمر والإحباط بل بالتماسك ورص الصفوف ، فكل أزمة يجب أن تدفع الجنوبيين إلى مزيد من الوحدة، وكل محاولة للتضييق على مؤسساتهم السياسية يجب أن تقابل بمزيد من الالتفاف الشعبي حولها؛
ولهذا فإن اللحظة الراهنة لحظة موقف، فإذا كانت هناك أطراف تراهن على إنهاك الجنوب بالأزمات والضغوط والتضييق السياسي، فإن الرد يجب أن يكون بحجم التحدي ، مزيداً من الاصطفاف و التلاحم الشعبي، ومزيداً من الحضور في كل الساحات والميادين للتعبير عن الإرادة الجنوبية ورفض كل محاولات الالتفاف عليها؛ فالمشاركة الواسعة في الفعاليات الجماهيرية والمظاهرات السلمية تمثل رسالة واضحة بأن إرادة الناس لا يمكن محاصرتها بالأزمات المفتعلة ولا بالتضييق السياسي، وكل خطوة تستهدف إضعاف الجنوب يجب أن يقابلها موقف شعبي أكثر قوة وثباتاً، وكل محاولة لفرض واقع لا يريده الناس يجب أن تواجه بإرادة جماعية واعية ومنظمة؛ فالحقوق لا يحميها الصمت والانتظار، وإنما يحفظها شعب يؤمن بها ويتمسك بها ويجعل حضوره في الميدان قوة دافعة لحمايتها وقوة مانعة لكل من يحاول الالتفاف عليها أو النيل منها، وعندما تتوحد الإرادة الشعبية خلف هدفها، تتحول كل أدوات الضغط إلى عبء على أصحابها، وتسقط رهانات الاستنزاف أمام صلابة شعب يعرف ماذا يريد، ويدرك أن مستقبله لا يُمنح له من أحد، بل يصنعه بإرادته ووحدته وصموده، فكلما ازداد التلاحم الشعبي، تراجعت قدرة العدو على استخدام الأزمات كورقة ضغط، وكلما توحد الناس خلف قضيتهم، أصبح من الصعب على أي قوة مهما امتلكت من نفوذ أن تفرض عليهم ما لا يريدون ؛ ففالليل مهما طال لا يمنع طلوع الفجر
وقد قيل قديماً
وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي
ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا