كتابات وآراء


الأربعاء - 10 يونيو 2026 - الساعة 10:56 م

كُتب بواسطة : طاهر خالد بازياد - ارشيف الكاتب



في الوقت الذي تتسابق فيه الشعوب نحو التنمية وتحسين مستوى المعيشة، يقف المواطن في حضرموت وعدن اليوم أمام واقعٍ مؤلمٍ يزداد قسوةً يوماً بعد آخر، واقعٌ أصبحت فيه أبسط مقومات الحياة حلماً بعيد المنال، وأصبحت الخدمات الأساسية التي يفترض أن تكون حقاً مكفولاً للمواطن معاناةً يومية تستنزف ما تبقى من صبر الناس وقدرتهم على الاحتمال.


لم تعد أزمة الكهرباء مجرد انقطاعٍ للتيار، بل تحولت إلى أزمة حياة كاملة ساعات طويلة من الظلام تلف المدن والأحياء، بينما ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات لا تطاق، فيعيش الأطفال والمرضى وكبار السن ظروفاً إنسانية قاسية لا يمكن وصفها إلا بأنها مأساة متواصلة وفي كل منزل حكاية ألم، وفي كل شارع قصة معاناة، وفي كل أسرة همٌّ جديد فرضته ظروف لم يعد المواطن قادراً على تحملها.
أما المياه، التي هي أساس الحياة، فقد أصبحت بالنسبة للكثير من الأسر رحلة بحث يومية وشاقة، بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن أمام الارتفاع المستمر في الأسعار وانهيار العملة وتراجع مستوى دخل المواطن الذي كان يبحث عن تحسين حياته أصبح اليوم منشغلاً فقط بكيفية توفير احتياجات أسرته الأساسية والبقاء في مواجهة موجات الغلاء المتلاحقة.
ومن هنا لم يكن مستغرباً أن تخرج أصوات الغضب في حضرموت وعدن، وأن تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بصور الاحتجاجات ورسائل الاستياء والوجع الشعبي فهذه الأصوات ليست دعوة للفوضى، بل صرخة مجتمع وصل إلى مرحلة لم يعد الصمت فيها ممكناً إنها رسالة شعب يطالب بحقه في العيش الكريم، في الكهرباء والماء والدواء والتعليم والأمن والاستقرار
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة خدمات عابرة، بل أزمة تمس كرامة الإنسان وحقه في الحياة فحين يقضي المواطن ساعات طويلة بلا كهرباء، ويعجز عن توفير احتياجات أسرته الأساسية، ويشاهد المرضى يعانون بسبب ضعف الخدمات، فإن القضية تصبح أكبر من مجرد أرقام وتقارير، وتتحول إلى قضية إنسانية ووطنية تستوجب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً
حضرموت وعدن ليستا مدينتين عاديتين في الجغرافيا السياسية والاقتصادية للبلاد، بل تمثلان ثقلاً سكانياً واقتصادياً كبيراً، وتمتلكان من الإمكانات والموارد ما يؤهلهما لأن تكونا نموذجاً للاستقرار والتنمية لكن هذه الإمكانات تفقد قيمتها عندما لا تنعكس على حياة المواطن الذي يبقى الحلقة الأضعف والأكثر تضرراً من كل الأزمات والتجاذبات.
لقد أثبتت التجارب أن الشعوب يمكن أن تصبر على الكثير من التحديات، لكنها لا تستطيع أن تعيش بلا خدمات أساسية ولا أن تستمر في مواجهة ظروف معيشية تزداد سوءاً عاماً بعد آخر ولذلك فإن الاستماع لصوت الشارع اليوم ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة وطنية وأخلاقية وإنسانية
إن المواطن في حضرموت وعدن لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن امتيازات استثنائية، بل يطالب بحقوقه الطبيعية التي كفلتها كل الشرائع والقوانين يطالب بكهرباء مستقرة، ومياه متوفرة، ورواتب تحفظ كرامته، وخدمات صحية وتعليمية تليق بإنسانيته، وفرصة حياة آمنة ومستقرة لأبنائه.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الجميع: إلى متى سيظل المواطن يدفع وحده ثمن الأزمات والإخفاقات؟ وإلى متى ستبقى معاناته حاضرة في كل تفاصيل يومه بينما تتأخر الحلول؟
إن التاريخ يعلمنا أن قوة الأوطان لا تُقاس بما تملكه من موارد فقط، بل بقدرتها على صون كرامة مواطنيها وتوفير حياة كريمة لهم وعندما يصبح صوت المواطن صرخة ألم جماعية، فإن الواجب الوطني يقتضي الإنصات والعمل والمعالجة قبل أن تتسع دائرة المعاناة أكثر.
سيظل المواطن في حضرموت وعدن متمسكاً بالأمل رغم كل الظروف، لكن الأمل وحده لا يكفي، لأن ما يحتاجه الناس اليوم هو حلول حقيقية وإجراءات ملموسة وإرادة جادة تعيد إليهم الثقة بأن معاناتهم مسموعة وأن حقوقهم ليست مجرد وعود مؤجلة بل التزام يجب الوفاء به.
فالناس لا تبحث عن الشعارات بل عن نورٍ يبدد الظلام، وماءٍ يروي العطش، ودواءٍ يخفف الألم، وحياةٍ تحفظ الكرامة وهذه هي الرسالة التي يحملها الشارع اليوم، رسالة تختصر وجع المواطن وتلخص آماله في غدٍ أفضل.