الأربعاء - 15 أبريل 2026 - الساعة 07:21 م
في زمن تلاطمت فيه الأمواج على ساحة الجنوب العربي وقضيته السياسية العادلة، واختلط فيه صهيل العزائم بنعيق المصالح، برزت ظاهرة إعلامية لم تكن يومًا جزءًا من معركة التحرير، بل كانت أداةً من أدوات إعادة التموضع في متاهة السياسة. وذلك هو الإعلام المؤطَّر الذي لم يَعُد يعكس نبض إدارة شعب الجنوب، بل صار يترجم أوامر خفية، ويتحدث بلغة البنكس المُفطَّح – تلك اللغة التي تحولت من مجرد تنظيم تقني إلى فلسفة في توزيع الأدوار، وتجزئة الحقيقة، وتتويه المتلقي الجنوبي، ومحاولة زرع اليأس في مطالبه المشروعة بالتعبير عن استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.
في غُرف مغلقة بإحكام، وجروبات ومساحات محمية بتقنية عالية الجودة يجتمع المؤطَّرون التابعون للجنة الخاصة بهدف تقاسم المهامات، في مكان ليس فيه للعفوية مجال، ولا للضمير المهني سبيل؛ فكل فئة من الإعلاميين تُمنح مجالًا محددًا، وسردية لا تحيد عنها قيد أنملة، ومهمة لا تُعلن في البيانات بل تُوشوش في الممرات المظلمة، والهدف كلُّه هو: كيف يتم إرباك المشهد السياسي في الجنوب، وهزم رغبة الشعب في مطالبه المشروعة باستعادة دولته المستقلة.
فتجد فئة قد كُلّفت بمهمة شيطنة الرئيس القائد الرمز عيدروس الزُبيدي، وتوجّه خطابها اليومي صوب الرئاسة، ملوحة بأن الرئيس عرَّض المشروع الجنوبي للخطر لمجرد أنه أدخل قوات المجلس الانتقالي إلى حضرموت، وكأن حضرموت ليست جنوبية، ولا تنتمي إلى المشروع الجنوبي، ولا يهم الرئيس الزبيدي ما كان يحصل في حضرموت من عبث في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ومن إرهاب ومخدرات والتفاف واضح على المشروع الجنوبي في وضح النهار وما كانت تنسج من تسويات، والهدف من هذه الفئة الإعلامية المؤطَّرة أن تعيد صياغة الوقائع، وتُبرز دخول قوات المجلس الانتقالي وكأنها مغامرات، وتُصوِّر حضور المشروع الجنوبي على الجغرافيا كانقلاب على الشرعية من جهة، وتهديدًا للأمن القومي السعودي من جهة أخرى، والحقيقة في كواليسها: يضحك المخططون قائلين: هكذا نُحدِث الشرخ بين الرئيس وقيادته وشعبه.
وفئة ثانية، لا تشغل نفسها بالرئيس بقدر ما تشغل نفسها بمجلسه الانتقالي الجنوبي، فترفع شعار المجلس الانتقالي منحلٌّ، وتنشر مقاطع مبتورة، وتحلل تصريحات قديمة كأنها جديدة، وتقنع البسطاء أن الهيكل القيادي لم يعد صالحًا، وتخلق المبررات من أن المجلس الانتقالي الجنوبي كان مجلسًا مناطقيًّا، ومرتهنًا للامارات العربية المتحدة والمشروع الصهيوني، وأن المجلس الانتقالي يُدار بمركزية الرئيس، ومهمتها: تفريغ المؤسسة الجنوبية من محتواها السياسي، وإيهام الناس أنه لا جهة تمثلهم، كي تُخلَق وصاية جديدة على رغباتهم وتطلعاتهم وتجبرها بالأخير لاي مشروع في إطار التسوية التي تطبخ في نار هادئة.
وهناك فئة ثالثة، توجِّه بوصلة الخطاب نحو الرياض بوصفها مركز القرار العربي، وترى أن الحل الوحيد هو في العاصمة السعودية، وكأن الجنوب لا يملك إرادة ذاتية، وتنعتها بالعاصمة الضامنة، وتُقلِّص المشروع الجنوبي إلى مجرد أوراق تُرفع على طاولات المفاوضات، وينسج المخططون سردية الوصاية المباركة، ويُغلفونها بعناوين براقة عن الشراكة، بينما هي في العمق تقاسم للأدوار على حساب الدماء.
وهناك فئة رابعة وخامسة، وربما العاشرة، أكثرهم دهاءً، فتتحدث بلغة التسوية مع اليمنيين، وأخرى تقول إن الحوار هو اللغة المثلى بين الجنوبيين، لا بالسيطرة على الجغرافيا وغيرها تقول إن الحوار اليمني الوطني الشامل الذي كان في صنعاء هو الحل، ومن هذه الحوارات يتكشف أن الحوار في الأول والأخير أنه مؤامرة. وبهذه المتاهات يوصلون الجنوبي إلى أن يرى وكأن الاحتلال لم يكن، وكأن الدم لم يهر، وتكرر مقولات الأخوة من جهة والوحدة المستحيلة من جهة أخرى، وتُلبس المشروع الجنوبي ثوب التفاوض من موقع ضعف، ومهمتها: إذابة التطلعات في كأس مرارة الواقع، وتقديم التنازل كفضيلة.
هكذا يعمل الإعلام المؤطَّر بلغة البنكس المفطح، الذي لا يبحث عن الحقيقة، بل يوزعها أجزاءً على كل فئة حسب المهمة الموكلة له، والإعلامي الجنوبي المؤطرة في تلك اللجنة، الذي كان يظن أنه أمام مشهد إعلامي واحد، يكتشف فجأة أنه في مسرحية متعددة المخرجين. وحين تسأل: لمن تعمل هذه الشِّلَل والفئات؟ يجيبك الواقع بصوت خافت: للبنكس نفسه، ولأجندة لا تعرف الوطن إلا كسلعة تُقسَّم، وكأرضية لتجارب التموضع والوصاية.
في النهاية، تظل الحقيقة أقوى من كل السرديات، فالشعب الجنوبي، الذي عرف متى يحمل السلاح، يعرف أيضًا متى يميز بين الكلمة الحرة والكلمة المأجورة، والإعلام المؤطَّر، مهما أجاد التمويه، سيظل عاريًا أمام رياح التغيير وصلابة إرادة شعبنا الجنوبي الذي ضحى بأغلى ما يملك وهي روحه ليس لشيء غير استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة.