الأحد - 22 مارس 2026 - الساعة 11:44 م
يا سادة يا كرام يا أهل الجنوب الصابرين على البلوى والمبتلين بـخضراء الدمن.. اسمعوا مني هذه القصة التي لا تحدث إلا في بلادنا، حيث يُباع الوطن في "بنكس" ويُشترى الضمير بثمن بخس، دراهم معدودات، وكانوا فيه من الزاهدين لو كان العرض يخص الكرامة، لكنهم سارعوا إليه كالجراد المنتشر حين شموا رائحة الريال السعودي!
فقد ظهرت في أيامنا هذه سلالة جديدة من البشر، لا هي من الإنس ولا من الجن، بل هي فصيلة جديدة تسمى فصيلة "البناكسة"، ومفردها "بنكسي"، وهو كائن عجيب، كان بالأمس يزأر خلف الشاشات كالأسد الهصور، يوزع صكوك الوطنية بيمينه، وتهم التخوين بيساره، ويقسم بأغلظ الأيمان أنه فداء للجنوب وللمجلس الانتقالي، وأنه لا ينام الليل من شدة الوجع على دماء الشهداء، حتى ظننا أن "تشي جيفارا" قد بُعث في هيئة ناشط في عدن، أو أن "روبن هود" قد استأجر مكتبا وثيرا في المعلا.. وظل هؤلاء يصدعون رؤوسنا بالخطابات الرنانة، والمقاطع الصوتية التي تفيض حماسا، حتى إذا ما لوحت لهم "الشقيقة" بظرف صغير، أو "بنكس" محشو بفتات المال، سقطت الأقنعة دفعة واحدة، وذاب الحماس كفص ملح في بحر العرب، وتحول الأسد الهصور إلى قط أليف يمومئ تحت أقدام الممول، ويهز ذيله طربا لكل من يدفع، وكأن القضية الجنوبية لم تكن إلا "بيع وشراء" في سوق النخاسة!
والله إن المرء ليضحك بمرارة وهو يرى هؤلاء "المناضلين" الذين كانوا يشتمون ويقدحون في عرض كل من انتقد "الانتقالي" يوم كانت الرواتب تتدفق اليهم، فإذا بهم اليوم يبيعون المجلس، ويبيعون القضية، بل ويطالبون بحل كل شيء مقابل "بنكس" لا يكاد يكفي لشراء كرامة مستعملة! اذ سقطوا في أول امتحان، وانكشفوا على حقيقتهم، فإذا بهم أرخص من نعل بالية في وحل زقاق مهجور، يذهبون بوجوه "مغسولة بمرق" ليعلنوا الولاء لمن ضرب أرضهم وقتل جنودهم وأعاد قضيتهم إلى نقطة الصفر، وكأن دماء الشهداء كانت مجرد "حبر" على ورق المعاملات المالية، وكأن تضحيات السنوات ليست إلا جسراً عبروا عليه للوصول إلى "صندوق البناكس" اللعين!
فهؤلاء البناكسة يا إخواني، هم مأساة حقيقية مغلفة في إطار كوميدي ساخر، فهم يظنون أنهم "دهاة" السياسة، بينما هم في الحقيقة مجرد "مرتزقة" يبيعون المبدأ كما تباع الخضار في سوق "الحراج"، فبالأمس كان أحدهم متطرفا في جنوبيته لدرجة تشعرك بالذنب لأنك لم تمت بعد، واليوم هو منبطح لدرجة تجعلك تخشى عليه من الانزلاق الغضروفي.. ، فياهولاء الوطن ليس شقة للإيجار، والشهداء ليسوا أرقاما في فاتورة، فموتوا بغيظكم أيها البناكسة، فالتاريخ لا يكتب بالبنكس، بل يكتبه الرجال الذين لا تباع ضمائرهم في "مظاريف" مغلقة، وستظلون في نظر الشعب مجرد عاهات مستديمة، كلما ذكر "الريال" اهتزت مؤخراتكم طربا، وكلما ذكر الجنوب غبتم في دهاليز الخيانة والارتزاق!