الخميس - 05 فبراير 2026 - الساعة 11:00 م
أسمح لنفسي هنا بأن أستطرد قليلا خلف جدران التاريخ العتيقة وتضاريس الجغرافيا السياسية المعقدة لكي نضع النقاط فوق حروف الحقيقة التي لا تقبل القسمة على أوهام الحلول الوسط أو أنصاف المواقف، فحين نمعن النظر في كيمياء الوجدان الشعبي في الجنوب نجد أنفسنا أمام حالة من الوعي الصلد الذي تجاوز منطق المساومات التقليدية وخرج من عباءة الوصاية الإقليمية ليرسم لنفسه مسارا مغايرا لكل الحسابات الدبلوماسية المعلبة في غرف الرياض أو غيرها من العواصم التي تحاول صياغة الواقع بمداد من التمنيات والمؤامرات لا بمداد الحقائق، والواقع الذي أقف أمامه هنا الآن بكل تجرد وموضوعية يكشف عن مفارقة قد تبدو للناظر من بعيد صادمة لكنها في عمق التحليل السياسي الرصين تمثل ذروة العقلانية الوطنية إذ يذهب الإنسان الجنوبي في خياراته إلى تفضيل مرارة المواجهة مع احتلال عسكري يفرض نفسه بقوة السلاح والحديد على حلاوة زائفة لمؤتمر حوار جنوبي يفضي بمخرجاته إلى فيدرالية أو كونفدرالية تعيد إنتاج التبعية تحت مسميات براقة وتوقيعات جنوبية تمنح الجلاد اليمني صكا بالشرعية، ومن هنا تنبع فلسفة الرفض القاطع لكل دعوة لا تضع الاستقلال التام والناجز في صدر أجنداتها لأن الفيدرالية في ميزان هذا الشعب ليست إلا احتلالا مكتمل الأركان لكنه يختلف عن الاحتلال العسكري الصريح بكونه احتلالا مشرعنا بإرادتنا ومدعوما بموافقتنا وتوقيعنا وهذا لعمري هو الانتحار السياسي بعينه، فالمقاومة الشعبية والوطنية قادرة دوما على استعادة بوصلتها وتصحيح مسارها في مواجهة الغازي الذي يفرض نفسه قسرا لقوة السلاح لأن جرح الاحتلال العسكري يظل مفتوحا يغذي روح النضال ويحفظ حق الرفض للشعب والمقاومة والمطالبة بالتحرر لكونه وضع غير شرعي بالأساس، أما الدخول في نفق الفيدرالية فهو القبول الطوعي بسلب السيادة وهو الأمر الذي لا يمكن لعاقل أو ثائر أن يرتضيه حتى لو كان يفتقر لأدوات المقاومة المادية والسلاح فكيف والحال اليوم أن الجنوب يمتلك من أدوات الردع السياسي ومن ادوات المقاومة المسلحة والوعي ما يجعله رقما صعبا في معادلة المنطقة بأسرها، وتتجلى الحقيقة الساطعة هنا بأن مؤتمر الحوار الحنوبي الذي دعت اليه المملكة مؤخرا لا يمكن أن يكون جسرا للعبور نحو التطلعات الوطنية إذا كانت غايته النهائية هي تقييد الحلم الجنوبي في قفص الوحدة اليمنية الميتة إكلينيكيا سواء كان ذلك عبر فيدرالية الأقاليم أو كونفدرالية المصالح الهشة، فالشعب الجنوبي يدرك جيدا أن التوقيع على أي وثيقة تبقي على أي شكل من أشكال الوحدة هو تنازل عن دماء الشهداء وتكريس لواقع التبعية بختم الضحية نفسه وهو ما يجعل المقارنة بين الاحتلال العسكري القسري وبين القبول بالفيدرالية تميل لصالح الأول من حيث الوضوح الأخلاقي والسياسي فالاحتلال عدو صريح تقاومه بالفطرة أما الفيدرالية فهي عدو يرتدي ثياب الصديق ويطلب منك أن تبارك قيودك بيديك، ومن ثم فإن الموقف الجنوبي اليوم ليس مجرد عناد سياسي بل هو قراءة دقيقة لتاريخ طويل من النكبات التي بدأت بوعود كاذبة وانتهت باجتياح شامل ومن يظن أن هذا الشعب يمكن أن يلدغ من جحر "الاتحادات" مرة أخرى فهو واهم لا يقرأ حركة التاريخ ولا يفهم طبيعة الروح الثائرة التي لا تقبل بأقل من استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة، فالمسألة ليست مسألة بحث عن بدائل للمقاومة بل هي إصرار على أن تظل المقاومة مشروعة ومستمرة طالما بقيت السيادة منقوصة والقرار مسلوبا، وتأسيسا على ذلك فإن الرفض الجنوبي لمؤتمر الرياض أو أي دعوة مشابهة له ينطلق من قناعة راسخة بأن مخرجات هذه الحوارات مرسومة سلفا لتسكين الأزمة لا لحلها ولتوزيع الحصص لا لاستعادة الحقوق، وإذا كان المرء يفضل الموت وقوفا على العيش تحت رحمة فيدرالية تشرعن وجود المحتل في أرضه فإن هذا هو جوهر الكرامة الوطنية التي لا تشترى بوعود التنمية ولا تباع في أسواق التسويات الإقليمية، فالاستقلال ليس مجرد شعار خاوي بل هو ضرورة وجودية ومطلب لا يقبل التأجيل أو التجزئة ومن يعتقد أن الجنوبيين سيهرولون نحو الفيدرالية هربا من شبح الاحتلال العسكري فانه يرتكب خطيئة كبرى في حق فهمه لسيكولوجية الجماهير التي قررت أن تضع نهاية نهائية ومطلقة لكل أشكال الوصاية والتبعية مهما كانت التضحيات ومهما كلف الثمن، فالموقف الآن أبعد ما يكون عن المناورات وهو أقرب ما يكون إلى لحظة الحقيقة التي تتطلب من الجميع مواجهتها بصدق وشجاعة بعيدا عن المواربة أو التضليل السياسي الذي سقطت أقنعته في ساحات النضال الجنوبي.