كتابات وآراء


الخميس - 05 فبراير 2026 - الساعة 04:08 م

كُتب بواسطة : علي سيقلي - ارشيف الكاتب



ليس من السهل أن تُمسك العصا من منتصفها في زمن الاستقطاب، ولا أن تكتب خارج سرب الشتائم الجاهزة والتخوين السريع. لكن الحقيقة – مهما كانت مُرّة – تستحق أن تُقال دون صراخ، وأن تُفهم دون أحكام مُسبقة.
لست ممن يشتمون من ذهبوا إلى الرياض، ولا ممن يوزّعون صكوك الوطنية على المقاس، ولا ممن يحاكمون النوايا من خلف الشاشات. فمبدأ الخيانة، ببساطة، لا ينطبق على من ذهب وهو يعتقد – أو أُقنع – بأنه يمثل قضية، فإذا به يجد نفسه في ملعب "ميشار" لا يرحم، وقواعد لعبتها لا تشبه الشعارات الثورية التي حُمّل بها.
من يذهب ممثلًا عن شعبه، لا يذهب عادةً بنية التفريط، بل بنية الإنجاز، أو على الأقل بنية النجاة. لكن ما بين النية والنتيجة، مسافة مليئة بالضغوط، والابتزاز، والكسر النفسي، والأذى المعنوي، وأحيانًا التلويح بكل ما هو شخصي وحساس.
هناك، لا يُختبر الموقف السياسي فقط، بل تُختبر القدرة على الصمود كإنسان قبل أن تكون كسياسي.
ليس من الإنصاف أن نطالب من وقع في شباك معقّدة بأن يخرج منها بطوليًا كما في الخطب. فالغرف المغلقة لا تُدار بالأمنيات، والملفات الثقيلة لا تُفتح دون أثمان، ومن لا يملك أوراق قوة حقيقية، غالبًا ما يُدفع إلى الزاوية، ثم يُطلب منه التوقيع أو الصمت.
ولست هنا في مقام الدفاع، ولا في موقع التبرير، بقدر ما أنا في موقع الفهم. فالفهم لا يعني التواطؤ، والنقد لا يعني الإعدام المعنوي. من اختار طريقًا سياسيًا يختلف عن طريقي، لا أُسقط عنه جنوبيته، ولا أنزع عنه هويته، ولا أجرّده من تاريخه. فالقضية أكبر من الأشخاص، وأخطر من أن تُختزل في أسماء.
ثم، من منا يملك يقينًا مطلقًا بأنه لو كان في الموقع ذاته، وتحت الضغط ذاته، والظرف ذاته، لكان سيتصرّف بشكل مختلف؟ من يضمن أنه لن يكون هو الآخر جزءًا من المشهد، ثم ضحية له؟ الوطنية، حين تُختبر خارج الأرض، تصبح عبئًا ثقيلًا، لا وسامًا يُعلّق على الصدر.
المأساة الحقيقية ليست في ذهاب البعض، بل في أن يذهب الإنسان وطنيًا، فيعود – أو يُعاد – بلا هوية واضحة، ولا أرض تحت قدميه، ولا حتى عذر مقبول، بعدما يُحاكم من خصومه، ثم من أقرب الناس إليه. تلك هي الخسارة الأكبر: أن تُدان قبل أن تُفهم، وأن تُقصى قبل أن تُسمع.
لهذا، أرفض الشتيمة، وأرفض التخوين، وأرفض لغة السكاكين. لا لأن الواقع بخير، بل لأن الواقع سيئ بما يكفي.
ما نحتاجه ليس المزيد من الحرق، بل قليل من العقل والتروي، وكثير من المراجعة، وجرأة الاعتراف بأن المصيبة أعمق من أشخاص، وأقسى من مواقف، وأخطر من بيان أو تغريدة.
ففي زمن التحوّلات القاسية، لا يسقط الأفراد وحدهم، بل تسقط المنظومة برمتها، يوم لا ينفع الندم.

فتأملوا