كتابات وآراء


الأربعاء - 04 فبراير 2026 - الساعة 09:14 م

كُتب بواسطة : حافظ الشجيفي - ارشيف الكاتب



نحن هنا امام لحظة من تلك اللحظات التي يتشابك فيها التاريخ مع الجغرافيا، وتتصادم فيها الارادة الشعبية مع الحسابات السياسية المعقدة في غرف مظلمة لا يدخلها الضوء، والحقيقة التي تفرض نفسها الان، وبقوة لا تقبل الشك، هي ان ما جرى في شوارع عدن وساحات حضرموت ومدن الجنوب منذ شهر ديسمبر المنصرم وحتى اللحظة لم يكن مجرد صرخة في وادي، ولا كان استعراضا للقوة البشرية في فراغ سياسي، بل كان زلزالا حقيقيا ضرب القواعد التي استندت اليها مطابخ السياسة في الرياض وغيرها من العواصم التي تظن ان بمقدورها صياغة مستقبل الشعوب عن طريق الدجل والمؤامرة، ومن يراقب المشهد بعين فاحصة يدرك ان تلك المليونيات الحاشدة التي نفذها الشعب الجنوبي خلال الاسابيع والايام القليلة الماضية للتعبير عن تمسكه بالاستقلال ورفضه لكل المشاريع المنتقصة لتطلعاته قد احدثت اختراقا استراتيجيا في جدار التعتيم، وخلقت واقعا جديدا جعل المتامرين على قضية الجنوب يعيشون حالة من الارتباك والذعر، مما دفعهم الى اللجوء لآلة الدعاية السوداء وتسريب معلومات مضللة تدعي ان هذه السيول البشرية لم تصل اصداؤها الى المجتمع الدولي او الاقليمي، وهذا الادعاء في جوهره ليس الا محاولة بائسة لامتصاص الصدمة وتقليل حجم الخسائر المعنوية التي لحقت بمشاريعهم، اذ ان الحقائق على الارض تنطق بلسان فصيح يشي بغير ذلك تماما، حيث استطاعت هذه الحشود ان تخلط الاوراق في اللحظات الاخيرة، وان تفسد كل المخططات التي تيتهدف النيل من القضية الحنوبية، بل وان تفرغ مؤامرات كانت على وشك التنفيذ من محتواها، والواقع ان فشل ما سمي بمؤتمر الحوار الجنوبي الذي ارادوا من خلاله الالتفاف على ارادة الشعب ودماء شهدائه، هو الدليل القاطع على ان الرسالة وصلت وفهمت واستوعبت، حيث اصبح الدعاة لهذا الحوار والمدعوون اليه في حالة تخبط واضحة، يعجزون معها عن اتخاذ خطوة واحدة للامام، وهو الامر ذاته الذي انسحب على العجز عن تشكيل حكومة كانت تهدف في الاساس لتمرير اجندات تتصادم مع التطلعات الوطنية الجنوبية.
واللافت في هذا السياق، وهو ما يستدعي وقفة تحليلية متأنية، ان تلك القوى التي كانت تراهن على سياسة التجويع والافقار وسيلة لتركيع الشعب، قد وجدت نفسها مضطرة امام زحف المليونيات الى تغيير تكتيكاتها بشكل مفاجئ ومثير للتساؤل، فانهمرت الخدمات وتوفرت بشكل لم يسبق له مثيل، وانتظمت الرواتب في مواعيدها، بل وظهرت الاكراميات المجزية بالريال السعودي، واصبحت المساعدات الدولية تصل الى مستحقيها بانتظام مدهش، وكل هذا ليس كرم اخلاق او صحوة ضمير مفاجئة، وانما هو نتاج مباشر للضغط الذي شكلته الميادين، حيث ادرك المتامرون ان الارض تهتز تحت اقدامهم، فاندفعوا يحاولون استمالة الناس واغراءهم بالتحسينات المعيشية لعلهم يصرفون انظارهم عن الهدف الاستراتيجي والمشروع الوطني الكبير، وهي محاولات يائسة لشراء الوقت وكسب المواقف لصالح مشاريع تتعارض جذريا مع تضحيات الجنوبيين، ومن هنا يتضح ان الزعم بان المليونيات لم تحقق اهدافها هو قول يراد به نشر الاحباط وتثبيط الهمم، بينما الواقع يقول ان هذه الحشود تقض مضاجعهم وتستفز كبرياءهم السياسي وتكشف عجزهم عن مواجهة الحقيقة العارية، فالمؤامرات التي تحاك في الظلام لا تصمد امام ضوء النهار الذي تشيعه ارادة الشعوب، والشعب الجنوبي الذي استطاع بصدور عارية ان يفرض واقعا خدميا وماليا جديدا كنوع من انواع التهدئة القسرية، لن يتوقف في منتصف الطريق، ولن يقبل بانصاف الحلول، بل سيستمر في انتزاع حقه حتى يذعن المتامرون للامر الواقع ويقروا بالارادة الشعبية التي لا تقهر، فالتاريخ يعلمنا ان ارادة الشعوب هي القدر الذي لا يرد، وان كل محاولات الالتفاف والقفز على التضحيات هي محض رهان على سراب سيبدده اصرار الجنوبيين على بلوغ غايتهم المنشودة مهما غلت التضحيات ومهما حاول المرجفون تصوير النصر على انه هزبمة.