الإثنين - 19 يناير 2026 - الساعة 12:37 ص
يقال أن الموت ينهي الخصومة، لكنه لا يُنهي حق الإنسان في الاحترام.
تابعنا جميعا نبأ وفاة الرئيس علي سالم البيض، رحمه الله رحمة واسعة، وشاهدنا بيانات التعازي المتلفزة والمقروءة التي قدمت لأسرته من قادة البلاد و دبلوماسيين وشخصيات اجتماعية وقبلية من داخل الوطن وخارجه، باعتبار الرجل رمزا وطنيا وعربيا كان له دور بارز في صناعة التحولات السياسية.
نتفق جميعا أن الخلافات السياسية غالبا ما تنتهي بانتهاء حياة أي رمز سياسي، وأن المواساة لا تعد نفاقا سياسيا، بل بعدا إنسانيا وأخلاقيا يعبر عن كرامة الإنسان بعد رحيله.
غير أن اللافت في مشهد التعازي المقدمة بوفاة الرئيس علي سالم البيض، أن كثيرا ممن ينعونه اليوم هم أنفسهم من قادوا حملات التخوين والتشويه ضده. فلم تكن الاتهامات التي وجهت إليه مجرد توصيف سياسي من قبل القوى التي غدرت به منذ حرب 1994، بل تحولت إلى حالة إقصاء وتنكر كامل لكل الأدوار الوطنية التي لعبها الرجل.
يا هولاء إن ذاكرة الأحرار لم تكن يوما مثقوبة، و لا يمكن أن تنسى ما تعرض له الجنوب وقيادته من غدر لن يكون بمقدور أحد يمحوه من ذاكرة الأجيال .
ومن المؤسف أيضًا أن من يمارسون اليوم التقية السياسية تحت غطاء سياسي و إنساني، كانوا بالأمس يعتبرون المطالبة بإصلاح مسار الوحدة نزعة انفصالية، للرئيس علي سالم البيض، متناسين أنه الذي ذهب مهاجر من أجل الوحدة بنية صادقة، كما طال هذا التوصيف قيادات الحزب الاشتراكي، الذين بادروا بمشروع اصلاح المسار وتلافي الأخطاء في مقدمتهم المرجعية السياسية والفكرية محمد حيدرة مسدوس، بل شمل الشعب الجنوبي بأكمله.
الجميع يدرك كيف مارس نظام صنعاء و أزلامه، ممن تربعوا على كراسي الحكم حتى اليوم ، أساليب الحرب القذرة و صور النظام ورجال الدين الحرب على الجنوب على أنها واجب ديني ، بينما كانت في حقيقتها حربا أنهت مبدأ الشراكة بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية.
وبالتالي إن أسرة الرئيس علي سالم البيض ستقبل التعازي باعتبارها واجبا دينيا يكرم الإنسان بعد موته، لكنها لن تتخلى عن موقفه من قضية الجنوب أو تنسى، و تتقبل، الاتهامات القاسية التي وجهت للرجل ونالت منه وهو رمز سياسي شهد له العالم، حتى خصومه. فقد امتنع كثيرون من بقايا نظام صنعاء عن إنصافه وهو على قيد الحياة، بل تحول بعضهم إلى نافخ كير لإحراق تاريخه، طمعا في رضا علي عبد الله صالح، أو حفاظا على كرسي وزارة أو منصب رفيع.
لم يجرؤ أحد يوما على الوقوف أمام صالح ليقترح، حتى من باب النفاق أو الدبلوماسية، تعديل الخطاب الإعلامي والديني الموجه ضد الرجل. وبعد وفاته لو سمح لهم، لوصفوه اليوم بـ " نبي الوحدة " من خلال التعازٍ ومراث مزيفة، مستخدمين عبارات منمقة تخفي نواياهم الحقيقية. فهم يدركون حجم التحول السياسي الجاري اليوم في الجنوب، ويحاولون الالتفاف عليه، بطرق عدة.
الخلاصة اننا، ونحن نودع رمزا وطنيا، نقف أمام واقع مرير تعرض فيه الرجل للغدر والخيانة، وهو الذي يصفه خصومه بأنه مهندس وصانع الوحدة. ويحق لنا أن نتوقف أمام السيناريو الغادر الذي يُراد تنفيذه من جديد ضد الجنوب وقيادته، ممثلة بالقائد عيدروس الزبيدي، من قبل قوى لم تحترم الشراكة معها و تضحيات الشهداء الذين لم تجف دماؤهم بعد، وتحاول اليوم استعطاف الرأي العام ببيانات عدة تخلو من الروح الإنسانية، مهما تظاهرت بعكس ذلك.
ومن باب الإنصاف، نحن لا نعمم ونجزم القول إن صفاة النفاق و الخداع يتصف بها كل من اختلف مع علي سالم البيض أو مع شعب الجنوب، فهناك رجال من يحملون نوايا صادقة، لا حول له ولا قوة فيما جرى ويجري، وما صدر عنه من كلمات مرثية حاول التعبير بها عن مناقب البيض فهو اعتراف بحق الرجل، ولو جاء متأخرا.
رحم الله الرئيس علي سالم البيض رحمة واسعة، ونسأل الله أن يتجاوز عنه ويغفر له، ولا عزاء للمنافقين بعد اليوم.