كتابات وآراء


الأحد - 01 مارس 2026 - الساعة 01:16 ص

كُتب بواسطة : علي سيقلي - ارشيف الكاتب



في الدول التي تحترم مؤسساتها، لا تُقاس اللقاءات الرسمية بعدد الصور أو الأسماء، بل بما تعكسه من هيبة قرار واحترام للسيادة. وحين يُحدَّد موعد للقاء رئيس حكومة مع الصحفيين، فإن ذلك يفترض أن يكون فعلًا سياسيًا وإعلاميًا محسوبًا، لا تفصيلًا قابلًا للتأجيل عند أول اختبار للسيادة..
لكن ما جرى مؤخرًا يطرح سؤالًا محرجًا، لا يمكن تجاوزه بالصمت ولا تسويغه بالذرائع المعتادة.
كان من المقرر أن يلتقي دولة رئيس مجلس الوزراء شائع محسن الزنداني بمجموعة من الصحفيين، في لقاء مساء السبت داخل قصر معاشيق. لقاء يفترض أنه يأتي في سياق التواصل الرسمي، ويعكس حضور الدولة أمام الرأي العام. غير أن المشهد تبدّل فجأة، حين جرى ترتيب لقاء آخر في التوقيت ذاته مع شخصية تمثل نفوذًا خارجيًا، فكانت النتيجة:
تأجيل لقاء رئيس الحكومة، وتقديم اللقاء البديل.
لسنا هنا أمام تضارب مواعيد عابر، ولا أمام خطأ تنظيمي بريء، بل أمام مفارقة سياسية صريحة: مسؤول يمني في أعلى موقع تنفيذي، يُؤجَّل حضوره لأن الحاكم الأجنبي من قرر أن يكون له موعد في اللحظة نفسها.
الأكثر إيلامًا في القصة ليس التأجيل بحد ذاته، بل سهولة حدوثه، وكأنه إجراء طبيعي لا يستدعي اعتراضًا، ولا حتى تفسيرًا علنيًا ومن باب "العين ما تغلى على الحاجب" وكأن الأمر لا يمس هيبة المنصب ولا كرامة الدولة، بل يُتعامل معه كمسألة هامشية يمكن احتواؤها بالصمت.
أما الصحفيون، الذين كان يُفترض أن يكونوا طرفًا حاميًا لهيبة اللقاء، فقد وجدوا أنفسهم ضمن ما يُعرف بـ«النقوة»؛ أي ذلك الاختيار القائم على الفرز والمزاج والمحسوبية، لا على التمثيل المهني الحقيقي. وهنا يتحول الصحفي من ناقل وناقد، إلى شاهد صامت على كسر البروتوكول، وربما شريك غير مباشر في تمريره.
المفارقة أن النتيجة النهائية واحدة:
لقاءات بلا أثر، وحوارات بلا عمق، وصور تُلتقط أكثر مما تُتخذ مواقف.
وعندما تُقال العبارة الشعبية: «كله محصّل بعضه»، فهي لا تُقال للتبرير، بل للتعرية؛ لأن تساوي اللقاءات لا يعني قوتها، بل يعني أن القرار ليس في المكان المفترض أن يكون فيه، وأن العناوين قد تكون محلية، بينما المضمون يأتي من خارجها.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا، وبلا مواربة:
أين عنوان السيادة الوطنية؟
السيادة لا تُقاس بالشعارات ولا بالخطب، بل بتفاصيل دقيقة كهذه:
من يُقدَّم؟ ومن يُؤجَّل؟
ومن يفرض التوقيت على من؟
وحين يُؤجَّل رئيس حكومة بلده لصالح موعد آخر، فهذه ليست مسألة تنظيمية، بل خلل في ميزان القرار، ورسالة سلبية تتراكم في وعي الناس بأن الدولة تُدار من وكر التحالف، وأن مؤسساتها تُستدعى عند الحاجة وتُؤجَّل عند أول إشارة.
قد تُطوى الحكاية كما طُويت غيرها، لكن أثرها لا يزول بسهولة؛ لأنها تمس جوهر ما تبقّى من فكرة الدولة، وتترك سؤالًا مفتوحًا بلا إجابة مقنعة.
وهذا، بكل بساطة .. عيب
والله عيب