الخميس - 01 يناير 2026 - الساعة 10:12 م
بعد سنوات من الحرب المفتوحة بات واضحا أن الأزمة اليمنية لم تعد قابلة للحل ضمن الصيغة التقليدية للدولة الواحدة المنهكة ولا عبر شرعية مستهلكة فقدت القرار والاتجاه .
والأهم من ذلك أن استمرار هذا الوضع لم يعد يستنزف اليمنيين وحدهم بل يضع المملكة العربية السعودية في قلب مأزق استراتيجي متصاعد بلا أفق .
ولهذا يمكن القول بأنه لا مخرج حقيقي للسعودية من المستنقع اليمني إلا عبر الاعتراف بقيام الدولة الجنوبية كمسار سياسي واقعي لا كخيار عاطفي أو انتقامي ويتضح ذلك من خلال الآتي :
أولا : السعودية عالقة في حرب بلا شريك .
وهذه أكبر إشكالية تواجه المملكة فليست الحرب بحد ذاتها هي المشكلة بل غياب الشريك اليمني القادر على تحمل المسؤولية لأن ما يسمى بالشرعية تحول إلى عبء على السعودية فالقرار فيها منقسم والقيادة بلا سيطرة والصراعات الداخلية تدار باسم التحالف هذا الواقع يجعل السعودية الطرف الأكثر محاسبة واستنزاف وتحمل لنتائج فشل الشرعية الشكلية .
ثانيا: وحدة بلا دولة خطر دائم على أمن المملكة المجاورة .
الوحدة اليمنية بصيغتها الحالية لم تعد ضمانة للاستقرار بل أصبحت مصدر تهديد دائم فالشمال خاضع لسلطة أمر واقع معادية والجنوب تتشكل دولته بشكل تصاعدي مستمر يقابل هذا الوضع
سلطة مركزية شرعية اسمية لا تحكم شيئا ولهذا فالإصرار بالحفاظ على هذا الشكل الهش يعني بقاء الحدود السعودية رهينة الفوضى لا الشراكة.
ثالثا : قيام الدولة الجنوبية هي الفرصة الواقعية الوحيدة .
رغم كلما يمر به الجنوب إلا أنه يملك عناصر لا تتوفر في غيره فالجغرافيا الجنوبية قابلة للإدارة ناهيك عن وجود المجلس الانتقالي الجنوبي كشريك سياسي واضح المعالم لديه قناعة واستعداد لبناء علاقة ندية مع المملكة تفضي إلى وجود مصلحة مشتركة للملكة والجنوب في الاستقرار ومكافحة التهديدات .
لهذا فإعلان الدولة الجنوبية لا يعني تفجير حرب جديدة بل إعادة تعريف الصراع وفصل مسار الاستقرار عن مسار الفوضى.
رابعا : من إنقاذ الشرعية إلى إنقاذ المصالح.
السعودية ليست مطالبة بإنقاذ قوى عاجزة عن إنقاذ نفسها لأن ما يهم المملكة هو أمنها القومي واستقرار حدودها من خلال التعامل مع شريك موثوق يمكن البناء معه
وهذه الأهداف لم تعد ممكنة عبر شرعية منقسمة بل عبر كيان جنوبي واضح مسؤول وقابل للمساءلة كما هو الحال مع المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة الأخ الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي .
خامسا : قيام الدولة الجنوبية كمخرج لا كمغامرة .
إن إعلان قيام الدولة الجنوبية ليس قفزا في المجهول بل خروج من حرب استنزاف طال أمدها بهدف تقليص مساحة الصراع
من خلال تحميل كل طرف مسؤوليته وصولا إلى إنهاء سياسة إدارة الفوضى وهو الخيار الوحيد الذي يمنح السعودية فرصة الانتقال من دولة متورطة إلى دولة شريكة في الاستقرار .
الخاتمة :
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الرهان على وحدة بلا دولة رهان خاسر وأن إدارة الأزمة أخطر من حسم المسار .
ولهذا أن أرادت السعودية مخرجا آمنا فعليها التعامل مع الواقع كما هو لا كما تتمنى .
على أن تستوعب بأن الدولة الجنوبية ليست تهديدا للمملكة بل طوق نجاة لها .
أما الإبقاء على الوضع الحالي فلن ينتج إلا مزيدا من الاستنزاف، ومزيدا من التوريط، ومزيدا من الفوضى.
*باحث أكاديمي ومحلل سياسي