كتابات وآراء


الخميس - 01 يناير 2026 - الساعة 10:36 م

كُتب بواسطة : حافظ الشجيفي - ارشيف الكاتب




في زحام الرصيف العدني، حيث يمتزج صياح الباعة بلذة الشاي العدني الثقيل، تجد الفلسفة السياسية قد غادرت أروقة الجامعات لتستقر فوق كراسي المقاهي الخشبية المتهالكة،حيث جلست هناك استمع لحديث الناس، ومن بينهم حضارم يحملون في ملامحهم وقار التاريخ وفي قلوبهم غصة الحاضر، يتحدثون عن ذلك الاختراع العجيب الذي يسمى "الحل" في حضرموت والمهرة، والذي يبدو في ظاهره رحمة وفي باطنه عذاب مقيم، اذ تفتقت عبقرية الوساطة السعودية عن صيغة سريالية تقضي بتسليم حماية هذه الأرض لقوات "درع الوطن" بالمشاركة مع القوات الحكومية الجنوبية ، وهو حل يذكرني بمن يحاول إطفاء الحريق بسكب الكيروسين مع قليل من ماء الورد للتمويه، فلا يوجد عقل سياسي سليم أو منطق بشري مستقيم يفسر هذا الإصرار العجيب من الشقيقة الكبرى على استبدال القوات الحكومية الجنوبية التي هي من صلب الأرض وأهلها، بقوات أخرى ولدت في غرف العمليات والاتفاقات، بل والأدهى من ذلك هي تلك "الشرعية" المهترئة التي تركت صنعاء وذمار وصعدة خلف ظهرها، وصبت كل طاقتها ونفوذها المفقود لتبسط يدها على حضرموت، وكأن تحرير صنعاء والجوف يمر بالضرورة عبر خنق المكلا والغيضة، في مفارقة مضحكة مبكية، حيث تستميت سلطة لا تملك من أمرها شيئا في مناطقها الأصلية لتكون هي الوصي على مناطق لفظت مشروعها منذ أمد بعيد.
والحقيقة التي لا تحتاج إلى نظارات طبية هي أن السعودية، مع كامل التقدير لثقلها، لم تعد تمارس دور الحكم المحايد الذي يصفر لإنهاء اللعبة، بل تحولت إلى طرف يرتدي قميص قوى الشمال ضد تطلعات الجنوب، ومن العبث السياسي أن تطلب من الخصم أن يكون هو نفسه القاضي والوسيط والجلاد في آن واحد، فالجماهير الجنوبية التي شبعت وعودا ومواثيق لم تعد تبلع هذه الطعوم المزينة بالكلمات الدبلوماسية، وإذا كان المجلس الانتقالي قد انحنى للعاصفة تحت ضغوط شديدة لا تخفى على لبيب، فإن هذا الانحناء لا يعني أبدا القبول بكسر العمود الفقري للميثاق الوطني الجنوبي الذي أجمعت عليه القوى الحية، فكيف يستقيم الحديث عن دولة فيدرالية ونظام أقاليم جنوبي وقوات "درع الوطن" التي ترتبط بجهات يمنية وسعودية لا تلتقي أجندتها مع تطلعات فك الارتباط أو حتى السيادة الوطنية تجوب الصحاري في المهرة وحضرموت، فنحن هنا أمام عملية إعادة تدوير للأزمة، بل هي عودة متعمدة لمربع الصفر الذي ظن الجميع أننا غادرناه بآلاف الشهداء والجرحى.
فالتشدق بأن قوات درع الوطن هي قوات جنوبية لا ينطلي على بساطة العقل الشعبي، فالانتماء في السياسة ليس بشهادة الميلاد بل بجهة التوجيه ومصدر التمويل، وهذه القوات تخضع لمشاريع تتعارض جملة وتفصيلا مع القضية الجنوبية، ومحاولة تسويقها كقوة وطنية تشبه محاولة إقناع جائع بأن صورة الرغيف على شاشة الهاتف تسد الرمق، أما النغمة المكررة حول حماية الأمن القومي السعودي والحدود فهي نغمة نشاز في سيمفونية العلاقات الدولية، إذ لم يسجل التاريخ أن دولة تحمي حدودها من داخل غرفة نوم جيرانها، فالدول التي تحترم سيادتها وسيادة الآخرين تحمي حدودها من داخل أراضيها، والجنوب الذي يصارع من أجل لقمة العيش والأمان لا يشكل خطرا على أحد، بل يحتاج لعشرين عاما من البناء والترميم ليفكر فقط في امتلاك أدوات التأثير، فكيف يصبح فجأة تهديدا يستوجب غرس القوات وتغيير الولاءات، فهذه الإجراءات لا تزرع أمنا ولا تحصد استقرارا، بل تغرس بذور عداء تاريخي مع شعب كان ولا يزال ينظر للجوار بتقدير، لكنه لن يقبل أبدا أن يكون حديقة خلفية تزرع فيها ألغام الشقاق باسم الحماية والوساطة، فالجنوبيون يعرفون طريقهم جيدا، واللعب على حبال الانقسامات لن ينتج إلا حبالا تلتف حول عنق الاستقرار في المنطقة برمتها.