4 مايو/تقرير خاص: مريم بارحمة
لم تعد العلاقة بين المملكة العربية السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي العربي تُقرأ في الشارع الجنوبي من زاوية التحالف العسكري الذي تشكل مع انطلاق عمليات التحالف العربي عام 2015 فقط، بل أصبحت محل نقاش سياسي واسع، في ظل التحولات التي شهدها مسار الحرب والجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الصراع في اليمن.
وخلال السنوات الماضية، تشكلت في الوعي الجنوبي صورة قائمة على أن القوات الجنوبية كانت شريكًا رئيسًا في مواجهة جماعة الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وأنها دفعت ثمنًا بشريًا كبيرًا في معارك امتدت من عدن ولحج وأبين والضالع إلى الساحل الغربي وجبهات أخرى. إلا أن انتقال الأزمة من الميدان العسكري إلى طاولة المفاوضات أوجد، وفقًا لما يطرحه الشارع الجنوبي، تساؤلات متزايدة حول طبيعة العلاقة مع الرياض ومستقبلها، ومدى انعكاسها على قضية الجنوب.
_من التحالف العسكري إلى تباين الرؤى السياسية
يرى مراقبون للشان الجنوبي أن العلاقة مع السعودية مرت بمرحلتين مختلفتين؛ الأولى اتسمت بالشراكة العسكرية في مواجهة الحوثيين، بينما برزت في المرحلة الثانية تباينات سياسية بشأن شكل التسوية النهائية ومستقبل الجنوب.
ويشير محللون سياسيون إلى أن القوات الجنوبية لعبت دورًا محوريًا في استعادة الأمن في محافظات الجنوب، وأسهمت في مكافحة التنظيمات الإرهابية، كما شاركت في جبهات متعددة فهي جزءًا من حماية الأمن الإقليمي. ويرى متابعون أن هذه التضحيات ينبغي أن تنعكس في أي ترتيبات سياسية مستقبلية، عبر ضمان حضور قضية الجنوب بوصفها ملفًا رئيسًا في عملية السلام.
في المقابل، أصبحت طبيعة المرحلة السياسية الحالية، وما يرافقها من تفاهمات إقليمية، محورًا للنقاش داخل الأوساط الجنوبية، التي تتساءل عن موقع الجنوب في أي تسوية مرتقبة.
_ خارطة الطريق نقطة التحول في الخطاب السياسي
يعتبر محللون ونشطاء أن النقاش حول خارطة الطريق الخاصة بعملية السلام شكّل أحد أبرز أسباب تباين الرؤى مع السعودية خلال المرحلة الأخيرة.
وبحسب تصريحات قيادات المجلس، فإن التحفظات التي أبداها رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، الرئيس عيدروس بن قاسم الزُبيدي، جاءت انطلاقًا من رؤية ترى أن أي تسوية ينبغي أن تتضمن ضمانات واضحة لقضية الجنوب، وألا تؤدي إلى تجاوز مطالب أبناء الجنوب أو إرجاء معالجتها إلى مراحل لاحقة.
وفي الشارع الجنوبي، يرى كثيرون أن السلام يظل هدفًا مطلوبًا، لكنه يحتاج إلى توافقات واسعة تضمن قبول مختلف الأطراف، وتحول دون إنتاج أزمات سياسية جديدة.
_ تضحيات الجنوب محور أساسي في الخطاب الشعبي
لا يكاد يخلو أي نقاش سياسي جنوبي من استحضار التضحيات التي قدمتها القوات الجنوبية خلال سنوات الحرب.
ويؤكد أبناء الجنوب أن آلاف الشهداء والجرحى الذين سقطوا في جبهات القتال يمثلون رصيدًا وطنيًا لا يمكن تجاوزه، وأن أي ترتيبات سياسية ينبغي أن تراعي تلك التضحيات، وتحافظ على المكاسب الأمنية التي تحققت بعد سنوات من المواجهات مع الحوثيين والتنظيمات المتطرفة.
ومن هذا المنطلق، تتكرر الدعوات إلى عدم إضعاف المؤسسات الأمنية والعسكرية الجنوبية، باعتبارها إحدى الركائز التي أسهمت في ترسيخ الاستقرار في محافظات الجنوب.
_ الدور الإماراتي في الذاكرة الجنوبية
يحظى الدور الذي قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة بحضور واضح في الخطاب السياسي والإعلامي الجنوبي، حيث أسهمت الإمارات في دعم العمليات العسكرية ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، كما شاركت في تدريب ودعم القوات الأمنية والعسكرية الجنوبية، إلى جانب تنفيذ مشروعات إنسانية وتنموية في عدد من المحافظات.
ويرى مراقبون أن هذا الدور أصبح جزءًا من ذاكرة الحرب في الجنوب، وأن الحفاظ على الشراكات التي أسهمت في تحقيق الاستقرار يمثل ضرورة في المرحلة المقبلة.
_ قراءة جنوبية للتحولات الإقليمية
يرى محللون سياسيون أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرًا في أولويات القوى الإقليمية، مع تصاعد الاهتمام بإنجاز تسوية سياسية شاملة للحرب.
وبحسب هذه القراءة، فإن تلك التحولات أوجدت مخاوف لدى الشارع الجنوبي من أن تؤدي بعض التفاهمات السياسية إلى تراجع حضور قضية الجنوب ضمن أولويات المفاوضات.
كما يعتقد نشطاء أن نجاح أي عملية سلام يتطلب التعامل مع الجنوب باعتباره طرفًا رئيسًا في المعادلة السياسية، وأن تجاهل مطالبه قد ينعكس على فرص نجاح أي اتفاق مستقبلي.
_ وحدة الصف الجنوبي أولوية المرحلة
يركز المجلس الانتقالي في خطاباته على أهمية الحفاظ على وحدة الصف الجنوبي، وتعزيز التماسك السياسي والمؤسسي.
ويرى محللون سياسيون أن المرحلة الحالية تستوجب تجنب الانقسامات، والعمل على توحيد المواقف تجاه القضايا المصيرية، بما يعزز قدرة الجنوب على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
كما يؤكدون أن الحوار بين مختلف المكونات الجنوبية يمثل عنصرًا أساسيًا في بناء موقف سياسي موحد خلال المرحلة المقبلة.
_ السلام من منظور الشارع الجنوبي
ورغم التباينات السياسية، فإن شعب الجنوب، لا يرفض السلام من حيث المبدأ، بل يطالب بأن يكون سلامًا قائمًا على الشراكة والضمانات الواضحة واحترام إرادة الأطراف المعنية.
ويذهب هذا الطرح إلى أن أي اتفاق لا يحظى بقبول واسع، ولا يراعي خصوصية قضية الجنوب، قد يواجه تحديات كبيرة عند التنفيذ.
ومن هنا، تتزايد الدعوات إلى أن تكون أي تسوية سياسية شاملة قائمة على الحوار، والاعتراف بالمتغيرات التي أفرزتها سنوات الحرب، وإشراك مختلف القوى الفاعلة في رسم مستقبل البلاد.
_العلاقة مع السعودية بين المراجعة والحفاظ على قنوات التواصل
ورغم الانتقادات التي يوجهها متابعون للشأن الجنوبي لبعض السياسات المرتبطة بالملف اليمني، فإنهم يؤكدون في الوقت نفسه أهمية استمرار الحوار مع السعودية، باعتبارها لاعبًا رئيسًا في المشهد السياسي والإقليمي.
ويرى مراقبون أن معالجة الخلافات تتطلب بناء الثقة، والوضوح في المواقف، والالتزام بالتفاهمات، بما يحقق شراكة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وفي المقابل، يرى الشارع الجنوبي أن المرحلة الراهنة تمثل فرصة لإعادة تقييم العلاقات الإقليمية بما ينسجم مع المتغيرات السياسية، ويضمن الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية.
_ مستقبل العلاقة رهان على الحوار والتفاهم
يرى محللون سياسيون مع استمرار المساعي الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب في اليمن، تبدو العلاقة بين المجلس الانتقالي والسعودية أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها اعتبارات السياسة والأمن ومفاوضات السلام.
ويرى مراقبون أنه بينما يواصل المجلس الانتقالي التأكيد على ضرورة ضمان حضور قضية الجنوب في أي تسوية نهائية، يظل مستقبل العلاقة مع السعودية مرتبطًا بقدرة الطرفين على إدارة الخلافات عبر الحوار، والتوصل إلى تفاهمات تراعي المصالح المشتركة وتحافظ على الاستقرار.
وفي الشارع الجنوبي، تتباين الآراء بشأن مسار هذه العلاقة، إلا أن القاسم المشترك بين كثير من الأصوات يتمثل في الدعوة إلى احترام التضحيات التي قُدمت خلال سنوات الحرب، وضمان مشاركة الجنوب في رسم مستقبله السياسي، بما يسهم في تحقيق سلام مستدام يقوم على التوافق، ويجنب المنطقة جولات جديدة من التوتر والصراع.