الخميس - 05 فبراير 2026 - الساعة 10:07 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ د. أمين العلياني
بين شواهد التاريخ وفي أعماق الجغرافيا المضطربة، تُولَدُ اللحظاتُ الفاصلةُ التي تَحملُ في طياتها نبضَ شعبٍ جنوبي وصرخةً مصيريةً لهويته وعدالة قضيته؛ ليأتي بيانُ مليونية رِدفان اليوم مُعلنًا عن إيحاءاتٍ سياسيةٍ تتجاوز حدودَ النصِّ لتُصبِحَ فصلًا من فصول نضالات شعبٍ على مدى ثلاثة عقود، وخطابًا فلسفيًّا عميقًا في مفهومَي الشرعية والحرية، مجسدًا هويةَ الشعب الوجودية، بوصفها مرآةً تعكسُ تشريحَ الإرادة في وجه التحديات العاتية التي تواجه مشروعَ الجنوب التحرري.
وعند الغوص في أبعاد هذا البيان، يَلمَحُ المرءُ استدعاءً متجددًا للتفويض الشعبي الكامل كفلسفةٍ للحكم وشرعيةٍ للتمثيل، من خلال تجسيد الوعي السياسي بوصفه فكرةً نابعةً من العقد الاجتماعي، تتجلَّى الرؤيةُ فيها بأن الشعبَ هو المصدرُ الوحيدُ للسلطة، والقيادةُ مُفوَّضةٌ بحمل الأمانة، متمثلةً في شخصية الرئيس عيدروس الزبيدي كرمزٍ وطنيٍّ فوَّضَه الشعبُ وليس متسلطًا عليه.
ومن هنا، جاء البيانُ ليُعلن رفضَه القاطعَ لمحاولات تفكيك شرعية الأرض والشعب عبر ما سمَّاه "الإعلانَ المزعومَ" بحلِّ المجلس الانتقالي، معتبرًا إياه باطلًا وغيرَ شرعي، ويعدُّ هذا الإجراء معركةً على المفاهيم قبل أن تكون معركةً على الأرض: فمن يملك حقَّ تعريف الشرعية؟ هل هي إرادةُ الشعب الحرة التي تنادي بحقها العادل، أم منطقُ القوى الخارجية والواقع المُفروض في لباس شرعيةٍ بلا أرض؟ ليأتي البيانُ مجيبًا بأن شرعيةَ الإرادة لا تُبطِلُها مرسوماتٌ عدَّت خدمةً لصالح الظالم المغتصب، ولا يُسقِطُها إعلاناتٌ لا تعبِّر عن تطلعات شعبٍ مطالبٍ بعدالة قضاياه المصيرية.
ومن جانبٍ آخر، جاء البيانُ معمقًا ليرسي مرجعيةً دستوريةً وسياسيةً ثابتةً نصَّ عليها بيان 2 يناير 2026م، مُعلنًا التمسكَ به كمَنارةٍ لا تحيد. ويُعَدُّ التمسكُ بهذا البيان السياسي والإعلان الدستوري تأكيدًا على أن مسيرة التحرر تحتاجُ إلى إطارٍ قانونيٍّ وأخلاقيٍّ يمنعُ الانزلاقَ نحو الفوضى، ويحفظُ للكفاحِ والنضال والتضحية مشروعيتَها الحضارية، ويؤكد أن الحقَّ الراسخ هو في استعادة دولة الجنوب المستقلة كاملةَ السيادة على حدود ما قبل 1990م، ودعوةً إلى استرداد الذات التاريخية، ورفضًا لأي صيغةٍ تُذيبُ الهويةَ أو تُجزِّئُ الحقَّ في السيادة.
وعند النظر إلى محتوى البيان نظرةً فلسفيةً من حيث أبعاده الأمنية والسياسية، نجده يحمل نظرةً استراتيجيةً عميقةً تدركُ التداخلاتِ المعقدةَ في إدارة ملف الجنوب من جهة، ويحذر من أي مساسٍ بالقوات المسلحة الجنوبية، لا ينظر إليه كجهازٍ عسكريٍّ فحسب، بل بوصفها صمامَ أمانٍ للجنوب وللأمن الإقليمي والملاحة الدولية من جهة أخرى، رابطًا تلك الأبعاد بحكمةٍ سياسيةٍ نادرةٍ بين من يريد إضعافَ هذه المؤسسة التي أثبتت إنجازاتها، ومن يريد انتشارَ التنظيمات الإرهابية، كاشفًا عن الرابط العضوي بين الاستقرار الوطني ومكافحة الإرهاب العالمي، وهو ما يقف سندًا فاعلًا في تحقيق الأمن والاستقرار.
والبيان من هذا المنطلق، سار في دعوته إلى توثيق الضربات الجوية الغادرة على قوات الجنوب بحضرموت والمهرة دون مبرر قانوني ولا دستوري، وهي قوات ضمن الشرعية المعترف بها دوليًا، وإدانة العملية الإرهابية التي تعرض لها القائد حمدي شكري، مع المطالبة بالإفراج عن وزير الدفاع الفريق محسن الداعري، معتبرًا أن الحديث عن تلك المطالب والتحذير من تجاوزها ليس قضايا محليةً بحتة، بل هو دفاعٌ عن مفهوم "الأمن المشترك" في تحقيق السلام والاستقرار من جهة، ومواجهة قوى التدمير التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار في الجنوب والمنطقة بأكملها من جهة أخرى.
ومن هنا فإن البيانَ لا يقف عند حدود الرفض والتحذير، بل يطرح رؤيةً عميقةً وواضحةً للحوار والبناء؛ فهو يرفض أيَّ حوارٍ منقوصٍ لا يعترف بالتطلع الجنوبي لاستعادة الدولة كاملة السيادة، في الوقت الذي يؤكد التمسكَ بـ "نهج الحوار الجنوبي" بوصفه سمةً حضاريةً تهدف إلى تحقيق وحدة النسيج المجتمعي لا تمزيقه، وتحقيق إرادة الشعب الذي قدَّم من أجلها قوافلَ من الشهداء، معتبرًا أن أيَّ حوارٍ مُختزَلٍ مُفتَعَلٍ يؤدي بالتأكيد إلى الهدم والتمزق والانقسام، ولا يلتزم بمقومات البناء الداخلي وتحقيق أهداف القضايا العادلة، يصبح عبثًا بمعاناة شعب وقضيته العادلة. ومن هنا يشير البيان إلى وجوب التفريق بين حوارٍ يقوم على القوة ويستند إلى الوعي السياسي من موقع الوحدة والقوة والثبات على المبادئ، وبين حوارٍ يقوم على التفاوض من موقع الضعف والانقسام والالتفاف على عدالة قضية شعب عادلة يحاول أن يقدمها على أنها مظلومية يسهل حلها بالاحتواء.
وختامًا، فإن البيانَ في دعوته للأمم المتحدة للاعتراف بحق شعب الجنوب في استعادة دولته كحقٍّ مشروع يجب أن يتعاطى معه الإقليم والمجتمع الدولي، ويركز على المطالبة بحماية قناة عدن المستقلة كصوتٍ للشعب، ورفضه عودة رشاد العليمي أو أيِّ قياداتٍ ونخب شمالية كانت سببًا فيما آلت إليه الأوضاع في الجنوب والعبث بثوابت قضية شعب الجنوب وضرب قواته، مع التأكيد على أن الخيارات التصعيدية ما زالت مفتوحةً في حال استمرار تقويض المشروع الجنوبي أو محاولة القفز على الثوابت التي ناضل من أجلها الشعب، مشيرًا إلى أن أيَّ حوارٍ يجب أن يرسم خطًّا فاصلًا ويفرق بين مسارين: مسار الصمت القسري أو التفاوض المُجبَر، ومسار الصوت الواضح والإرادة الحرة، مُعلنًا بأن شعبَ الجنوب لم يعد طرفًا في معادلةٍ تُفرض عليه نتائج جاهزة، بل أصبح فاعلًا رئيسًا يصنع معادلته الخاصة ويكون هو من يقرر تلك النتائج التي تلبي تطلعات شعبه.
ويرى أن بيانَ المليونية اليوم كان في جوهره فلسفةً سياسيةً مكتوبةً بدماء التضحيات وكلمات الإصرار من جهة، وقراءةً للواقع بأبعاده كلها، وتشريحًا للتحديات بجميع أشكالها، وتأكيدًا على أن إرادة الشعوب حين تصمد وتتحدى تكون أقوى من كل محاولات القهر والإلغاء من جهة أخرى.
وينبّه بحقيقةٍ ثابتةٍ يجب أن يفهمها المتحاورون والشرعية المهترئة والإقليم والمجتمع الدولي، أن البيانَ الذي أعلن صداه اليوم هو حقيقةٌ تتردد في ضمير كلِّ جنوبي يؤمن بحقِّ شعبه في استعادة دولته التي باتت كالشمس، لا يحجب ضوءَها غيومُ السياسات العابرة التي لا تراعي قضايا الشعب المصيرية.