الأربعاء - 04 فبراير 2026 - الساعة 03:32 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو / علي سيقلي
عندما يعجز الواقع عن إرضاء الصحفي، يتهمه بالذكاء الاصطناعي.
هكذا ببساطة، وبهذه الخفة، خرج عضوان الأحمري، رئيس تحرير «أندبندنت عربي»، ليصف مظاهرات عدن بأنها «مولَّدة بالذكاء الاصطناعي»، في تصريح لا يعكس سقطة مهنية فحسب، بل ذهنية كاملة لا ترى في الشارع سوى مادة قابلة للتكذيب.
المصيبة ليست في الكذبة ذاتها، فالكذب هناك ليس طارئًا، بل وظيفة، وإنما في الوقاحة التي قُدِّمت على أنها تحليل. فالذكاء الاصطناعي – لمن يجهل – يعترف بمن يستخدمه، يترك أثره، يكشف زيفه، ولا يحتاج إلى وزير مرتبك يهز رأسه ليمنحه شهادة زور مختومة باسم «الشرعية اليمنية». والاستشهاد بمعمر الإرياني لم يكن دعمًا للحجة، بل إعلانًا رسميًا عن إفلاسها.
لكن لفهم هذا الخطاب، لا بد من فهم البيئة التي خرج منها.
الصحافة السعودية لا تعرف الديمقراطية، لا لأنها تجهل معناها، بل لأن الدولة نفسها لا تتحملها. فكل ما يُمرَّر على الصحفي من خبر يخدم سياسة البلاط، يجب التعاطي معه بالحرف، دون زيادة أو نقصان، ودون محاولة تفكير. الخروج عن النص غير مسموح، والاجتهاد مخاطرة، والسؤال جريمة مؤجلة العقوبة.
لهذا يتعامل بعضهم مع الناس بعقدة الوصيّ، كأنهم وحدهم من «لا ينطقون عن الهوى»، وكأن الحقيقة حكرٌ خاص لا يجوز تداوله خارج الديوان. المواطن دائمًا متهم، والشارع دائمًا مشكوك فيه، وأي غضب لا يمر عبر القنوات الرسمية يُصنَّف فورًا: فوضى، تضليل، أو – حسب الموضة – منتج ذكاء اصطناعي.
ولست هنا بصدد لوم الصحفي، فهو في النهاية ينفذ سياسة ولي أمره، ويعرف جيدًا حدود القلم المسموح به. اللوم الحقيقي يقع عليّ، وعلى أمثالي، حين نمنح هذا القلم أكثر مما يستحق من احترام، وننسى أن من اختار أن يكون بوقًا، لا يحق له الادعاء بأنه مرآة.
من يفهم لغة السعودية وحكامها، يدرك أن الكذب هناك سياسة إدارة، لا زلة لسان. ما تقوله السلطة هو «الصح بعينه»، وما عداه افتراء، حتى لو كان واقعًا يُرى ويُسمع ويُلمس. الحقيقة لا تُقاس بالوقائع، بل بمدى انسجامها مع الرواية الرسمية.
هكذا علّموا شعبهم: الطاعة أولًا، ثم الطاعة، ثم تبرير الطاعة. لا تسأل، لا تعترض، لا تناقش… حتى لو جلدك بسوط، فالمطلوب منك أن تشكر السوط لأنه لم يكسر ظهرك.
في هذا المناخ، تصبح الصحافة نشرة بلاط، والإعلام أداة ضبط، والشارع خطرًا يجب نفيه. وحين يعجزون عن نفيه، يختصرونه بجملة باردة:
«هذا من إنتاج الذكاء الاصطناعي».
وكأن العيب في الواقع لا في العيون التي اعتادت النظر من فوق.