اخبار وتقارير

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 02:07 ص بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ خاص


منذ سنوات خلت، ظلّ الخطاب السياسي الصادر عمّا تُسمّى بـ"الشرعية اليمنية" وبعض القوى الداعمة لها، يتحدث عن الشراكة والتوافق والحوار، ويقدّم للجنوبيين وعودًا متكررة بإيجاد مقاربات سياسية عادلة لحل قضية شعب الجنوب، بما في ذلك الحديث عن "حوار جنوبي" يعبّر عن إرادة شعب الجنوب، ويمنحهم حق تقرير مستقبلهم السياسي بعيدًا عن الإملاءات المسبقة والتوصيات الجاهزة.
غير أنّ الممارسة الواقعية على الأرض تكشف تناقضًا صارخًا بين المعلن والسلوك السياسي الفعلي، حيث تتكرّس عقلية الاستقواء والاحتلال، ويُعاد إنتاج خطاب الهيمنة والوصاية المكرّس منذ حرب احتلال الجنوب في صيف 1994م، مع الإمعان في استخدام أدوات الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي بهدف إخضاع الجنوب، وإعادة تشكيله وتسليمه لمراكز الهيمنة ذاتها التي كانت سببًا رئيسيًا في خراب البلاد شمالًا وجنوبًا منذ عقود.

لقد قدّم شعب الجنوب، منذ حرب 1994م وحتى اليوم، تضحيات جسيمة، وقدّم قوافل من الشهداء في سبيل استعادة دولته ومواجهة مشاريع الهيمنة والنهب والجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية المتطرفة، وكان شريكًا فاعلًا في حماية الأمن والاستقرار الإقليمي.
فالقوات الجنوبية لعبت دورًا محوريًا في مكافحة الإرهاب، وتأمين المدن والمنافذ والسواحل، والإسهام في حماية خطوط الملاحة الدولية في البحر العربي وخليج عدن وباب المندب، وهي مهام لم تكن ذات بعد محلي فحسب، بل ارتبطت مباشرة بأمن التجارة العالمية والسلم الإقليمي.
هذه التضحيات لم تُقدَّم عبثًا، بل كانت ثمنًا غاليًا في سبيل الحرية والكرامة واستعادة الدولة، فدماء الشهداء هي من ترسم حدود الوطن.

كما استطاع الجنوب، رغم ظروف الحرب التي فُرضت عليه وتعقيدات المشهد بمختلف تجلياته، أن يحقق مكاسب سياسية مهمة، أبرزها فرض قضيته على طاولة الإقليم والعالم كقضية سياسية لا يمكن تجاوزها، وتكريس حضوره كشريك رئيسي في أي ترتيبات سياسية قادمة.
ولم تعد القضية الجنوبية مجرد مطلب احتجاجي عابر، بل تحولت إلى واقع سياسي له مؤسساته وحامله السياسي وتمثيله الشعبي الواضح، وهو ما فرض نفسه على مختلف مسارات التفاوض والتسويات.

ومع ذلك، فإن بعض القوى ما تزال تتعامل مع هذه التضحيات والمكاسب بعقلية الإنكار أو الاحتواء، وتحاول اختزال الجنوب في دور أمني أو عسكري مؤقت، دون الاعتراف بحقوقه السياسية والوطنية.
بل إن خطاب الوصاية والاستقواء عاد للظهور بصورة فجّة ومستفزّة كلما اقترب الحديث عن حلول سياسية عادلة، وكأن المطلوب من الجنوب أن يدفع أثمان الحرب، ثم يُحرم في المقابل من حقه في تقرير مصيره ومستقبله السياسي.
فالجنوب العربي اليوم ليس مجرد هامش سياسي يمكن تجاوزه أو احتواؤه بخطابات إعلامية مستفزة أو تسويات فوقية، بل يمتلك قضية سياسية واضحة، وحاملًا سياسيًا حاضرًا، ومؤسسات سياسية وعسكرية، وإرادة شعبية عبّر عنها شعب الجنوب بمليونيات جماهيرية شهدتها مختلف محافظات الجنوب، وشاهدها العالم أجمع.

كما أن إصرار ما يُسمّى بـ"الشرعية اليمنية" على التعامل مع الجنوب بعقلية الاحتلال، وتكريس ثقافة " وحدة الموت الفاشلة "، يعكس أزمة عميقة في التكوين النفسي للقوى اليمنية تجاه الجنوب وشعبه وقواه الحية، وفي الوقت نفسه تتخادم وتتصالح مع الواقع السياسي والعسكري والاجتماعي الذي تفرضه المليشيات الحوثية في صنعاء ومحافظات اليمن، وكأن الأمر لا يعنيها.
وهو ما يفرض على شعبنا الجنوبي وقيادته السياسية إعادة التموضع السياسي والعسكري لمواجهة المخطط القديم الجديد، الذي يهدف إلى مصادرة القرار السياسي الجنوبي، ويسعى إلى نزع حق شعب الجنوب في تعريف قضيته وتحديد سقف تطلعاته ومستقبله وفقًا لثوابته الوطنية المعلنة.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن "حوار جنوبي" مجرد غطاء سياسي لفرض رؤية أحادية الجانب تتبناها القوى اليمنية لتكريس واقع الهيمنة والاحتلال بمنطق الغلبة وفرض الأمر الواقع بالقوة، وهو ما يرفضه شعبنا بصورة قاطعة، وسيقاومه بكل بسالة وثبات مهما كانت التضحيات.

المجد والخلود والرحمة لشهدائنا الأبرار.
الحرية للأسرى والمعتقلين.
العزة والنصر لشعب الجنوبي العربي .

د. محمد الزعوري
الرياض
23/5/2026م