كتابات وآراء


الخميس - 21 مايو 2026 - الساعة 06:40 م

كُتب بواسطة : د.محمود شائف حسين - ارشيف الكاتب





"لم يعد العداء الإعلامي الذي يستهدف الجنوب مجرد خلاف سياسي أو تباين في الرؤى، بل تحوّل إلى حملة ممنهجة تتقاطع فيها مصالح قوى اعتادت النظر إلى الجنوب بعقلية الهيمنة والوصاية. والمفارقة الأكثر وضوحاً أن بعض الشخصيات ممن يتبوؤن اليوم مناصب رسميه بالحكومه الشرعية!.”، وفي مقدمتهم نائب وزير الخارجية مصطفى نعمان، إلى جانب أسماء إعلامية وناشطين شماليين او محسوبين على تيار الإخوان المسلمين، باتوا يقودون خطاباً تحريضيا تصعيدياً معلنا ضد الجنوب، في وقت يتسم خطابهم تجاه الحوثي بقدر لافت من الليونة والنعومة والتخفيف من حدة المواجهة السياسية والإعلامية معه.
ويبدو هذا التناقض أكثر غرابة إذا ما استحضرنا أن الحوثي هو الطرف الذي قاد الانقلاب، وأسقط مؤسسات الدولة، وأشعل الحرب، وتسبب في تهجير وتشتيت الآلاف في مشارق الأرض ومغاربها،ومنهم السياسي بالوراثه النعمان نفسه الذي لولا الجنوب لما وجد له موطئ قدم على الارض لا هو ولا حكومته ولا شرعيته .
ومع ذلك، تستمر هذه الابواق وبعض المنصات والشخصيات الشماليه في استهداف الجنوب والتشكيك بقياداته والتحريض ضد قواته، في محاوله لتصوير ان الخطر الحقيقي لم يعد المشروع الحوثي، بل في أي حضور سياسي أو وطني جنوبي مستقل.
والشي الأخطر إثارة للقلق أن هذا الخطاب يجد له مساحة مريضة ومريحة بسبب ضعف منظومة الإعلام الجنوبي، خصوصاً ما بعد أحداث يناير الماضية. إذ بات ملحوظاً تراجع خطاب المواجهة، وغياب الردود الواضحة على حملات التحريض والاستفزاز، مقابل تجاهل شبه كامل لجرائم الحوثي واستهدافه لجبهات الجنوب، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا الصمت ودلالاته السياسية.
إن المعركة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة وعي وتبصير وهوية، يلعب فيها الإعلام دوراً لا يقل أهمية عن معارك الجبهات العسكرية. فعندما يُترك المجال مفتوحاً أمام حملات التشويه دون مواجهة أو تفنيد، فإن ذلك يمنح خصوم الجنوب فرصة لإعادة تشكيل الوعي العام، وإضعاف الثقة الشعبية بالقضية الجنوبية وتضحيات أبنائها.
ما يجري يكشف أن هناك من يحاول إعادة توجيه البوصلة بعيداً عن أصل الأزمة، عبر صناعة خصومة دائمة مع الجنوب، والتخفيف من خطر الحوثي أو ترحيل مواجهته. غير أن الحقائق على الأرض تبقى أكثر وضوحاً من أي حملات إعلامية؛ فالجنوب الذي دفع أثماناً باهظة دفاعاً عن أرضه وهويته، يدرك أن الصمت في معركة الوعي لا يقل خطورة عن التراجع في ميادين المواجهة.
ولهذا، فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى إعلام جنوبي حاضر، بل إلى خطاب يمتلك الشجاعة لكشف ازدواجية المشهد، وفضح كل محاولة تجعل من الجنوب خصماً دائماً، بينما يُقدَّم الحوثي بوصفه خطراً مؤجلاً أو قضية قابلة للمساومة. فالأوطان لا تُهزم حين تُستهدف فقط، بل حين يختل وعيها تجاه من يوجّه الخطر الحقيقي إليها.