الجمعة - 22 مايو 2026 - الساعة 10:55 م بتوقيت عدن ،،،
4 مايو/ خاص
كتب/ د. رنا السروري
كان كثيرون يعتقدون أن قيادة الشرعية القادمة من “باب اليمن” ستتجه نحو تصحيح مسار العلاقة مع الشريك الأساسي في الوحدة، وهو شعب الجنوب، بعد سنوات طويلة من الأخطاء السياسية والعسكرية والاقتصادية التي أرهقت البلاد وأدخلتها في أزمات متلاحقة. غير أن الواقع أثبت أن العقلية ذاتها ما تزال حاضرة، وأن النهج القديم القائم على الإقصاء وتحميل الآخر مسؤولية الفشل لا يزال مستمرًا.
ففي الوقت الذي انتظر فيه الشارع خطابًا يعترف بالأخطاء المتراكمة تجاه الجنوب، ويقدم مراجعة سياسية مسؤولة، جاء خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي ليعيد إنتاج الخطاب التقليدي نفسه، القائم على مهاجمة الجنوب وقياداته، والتنصل من المسؤولية عن التدهور الذي تعيشه المناطق المحررة.
كان من المفترض أن يتحدث الخطاب عن المعركة الأساسية ضد الحوثيين، وعن استعادة مؤسسات الدولة، والتصدي للهجمات التي تستهدف المحافظات المحررة، إضافة إلى معالجة الانهيار الاقتصادي والخدمي الذي يثقل كاهل المواطنين. إلا أن الجزء الأكبر من الخطاب خُصص للهجوم على والقوات الجنوبية، واتهامها بالتمرد على مؤسسات الدولة.
والحقيقة التي يدركها الشارع الجنوبي أن تحركات القوات الجنوبية نحو حضرموت والمهرة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت استجابة لمطالب شعبية متصاعدة تدعو إلى إنهاء حالة العبث التي مارستها بعض القوى العسكرية خلال السنوات الماضية، سواء من خلال تهريب السلاح والمخدرات، أو التقطع لقاطرات الوقود، أو استنزاف الثروات النفطية والمنافذ الحيوية.
كما أن مطالبة الخطاب بإعادة الأسلحة إلى المعسكرات تفتح بابًا واسعًا للتساؤل: من الذي بدد ترسانة الأسلحة التي قُدمت للشرعية طوال عشر سنوات؟ ومن المسؤول عن انهيار المنظومة العسكرية والأمنية رغم كل الدعم الذي تلقته؟
وفي الجانب الاقتصادي، تحدث الخطاب عن “الدولة الجامعة”، بينما يعيش المواطن في المناطق المحررة واقعًا مأساويًا يتمثل في انهيار العملة، وتردي الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وتأخر الرواتب، وارتفاع معدلات الفقر والمعاناة اليومية.
وفي المقابل، تستمر شبكات الفساد في استنزاف موارد الدولة بالعملة الصعبة، دون أي حلول حقيقية تخفف من معاناة الناس.
الأكثر إثارة للاستغراب أن الخطاب دعا إلى تجاوز الخلافات الداخلية واستيعاب حجم المؤامرات التي تستهدف الوطن، في حين أن بعض مكونات الشرعية لا تزال تتعامل مع الجنوبيين بعقلية التخوين، وتصفهم بالمليشيات والعملاء والمرتزقة، متناسية أن الجنوب كان شريكًا رئيسيًا في مواجهة الحوثيين والإرهاب، وقدّم تضحيات جسيمة دفاعًا عن الأرض والهوية.
إن استمرار هذا الخطاب السياسي المتشنج لن يسهم في معالجة الأزمة، بل سيعمّق حالة الانقسام ويزيد من فقدان الثقة بين الأطراف المختلفة. فالمطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، وإنما الاعتراف بالأخطاء، وفتح صفحة جديدة تقوم على الشراكة الحقيقية واحترام إرادة الشعوب، والعمل الجاد لمعالجة الأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية التي أنهكت المواطنين.
فالمرحلة الراهنة لم تعد تحتمل الخطابات الاستهلاكية أو محاولات الهروب من المسؤولية، بل تحتاج إلى مشروع وطني واضح يضع مصلحة الناس فوق الحسابات السياسية الضيقة، ويعيد الاعتبار لقضايا الشعب ومعاناته اليومية.