الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 - الساعة 09:15 م
الجنوب ليس ورقةً في حسابات الآخرين
في الإقليم تتبدل المواقف ، وتعقد الصفقات ، وتعاد صياغة التحالفات وفقا للمصالح والمخاوف . وهذا أمر تدركه الشعوب والدول جيدا..
لكن ما يجب أن يدركه الجميع دون مواربة هو أن الجنوب ليس ورقة تستخدم ثم ترمى ، ولا قضية تفتح وتغلق وفقا لمزاج اللحظة السياسية..
لقد دفع الجنوب ثمنا باهظا من دماء أبنائه ووقف رجاله في أصعب الجبهات دفاعا عن أرضهم وأمنهم وتحملت أسر الشهداء والجرحى أثمانا لا يمكن أن تمحوها طاولة مفاوضات أو تسوية عابرة..
ولهذا نقولها بوضوح من يراهن على أن المتغيرات الإقليمية ستدفع الجنوب إلى التراجع ، فهو يقرأ المشهد من خارج الواقع..
قد تتغير الحسابات وقد تتبدل التحالفات وقد تبحث بعض القوى عن مصالحها الخاصة ، لكن ذلك كله لا يستطيع أن يلغي حقيقة راسخة.. هناك شعب جنوبي له قضية ، وأرض لها هوية ، وتضحيات صنعت واقعا لا يمكن القفز فوقه ابدا ..
لسنا ضد مصالح الأشقاء، ولسنا أسرى للعداء مع أحد . بل ندرك أن السياسة تقوم على المصالح ، وأن الدول تتحرك وفق حساباتها.. لكن المصلحة لا تكون مبررا لإلغاء مصالح الآخرين وتجاوزها ، والتحالف لا يعني التبعية ، والشراكة لا تعني الوصاية .
وإذا كانت بعض التصرفات الإقليمية قد اتسمت بالأنانية أو سوء التقدير ، فإن الرد الجنوبي يجب ألا يكون بالصخب والانفعال ، بل بمزيد من الثبات والوعي وتوحيد الصف وترتيب البيت الداخلي وحماية القرار الوطني الجنوبي من أي اختراق أو ارتهان..
فالجنوب الذي صمد أمام الحروب وقدّم الشهداء وتحمل سنوات القسوة لا يمكن أن يطلب منه اليوم أن يتنازل عن جوهر قضيته مقابل ترتيبات مؤقتة أو حسابات لا تصنع مستقبله..
تضحيات الشهداء ليست هامشا في السياسة..
إنها أمانة في أعناق الأحياء. ومن هنا فإن الوفاء للشهداء لا يكون برفع صورهم فقط وإنما بحماية الأرض وصون الهوية وتعزيز وحدة الصف وبناء قوة سياسية وعسكرية ومجتمعية قادرة على حماية القرار الجنوبي..
إننا أمام مرحلة لا تحتمل السذاجة السياسية ولا ردود الفعل العاطفية.. المتغيرات تقرأ والمصالح تفهم، والتحالفات تقيم ، لكن الثوابت لا تساوم ..
ولذلك فإن رسالتنا واضحة لكل من يعنيه الأمر:
تفاوضوا كما تشاؤون ، وتحالفوا كما تشاؤون ، وأعيدوا ترتيب مصالحكم كما تشاؤون ...
لكن لا تتوقعوا أن يكون الجنوب هو الحلقة الأضعف أو أن يقبل شعبه أن يقرر مصيره الآخرون..
الجنوب حاضر في المعادلة ، وسيبقى حاضرا فيها.
لا ارتهان ..
لا تراجع ..
لا تفريط ..
قد تتغير موازين الإقليم ، لكن إرادة الجنوب لا تدار من خارج الجنوب..
الجنوب ليس ورقة في حسابات الآخرين ، الجنوب صاحب قضية وصاحب أرض وصاحب قرار..
* مدير دائرة التوجيه المعنوي والسياسي للقوات المسلحة الجنوبية