كتابات وآراء


الأحد - 18 أكتوبر 2026 - الساعة 11:13 م

كُتب بواسطة : بسام أحمد عبدالله - ارشيف الكاتب




في رحلة البحث عن التغيير وصناعة الأثر لا تبدأ الحكاية لحظة ولادة الإحساس بالشغف بل في اللحظة التي يخرج فيها المشروع من عالم الأفكار المجردة ليواجه أرض الواقع الصلبة ..

تلك اللحظة التحولية هي بداية الاختبار الحقيقي فكل رؤية طليعية مهما بلغت نبل غاياتها أو اتساق مبادئها تجد نفسها مجبرة على خوض مخاض عسير عبر متعرجات الواقع فتارة تصطدم بعقبة البيروقراطية ومقاومة التغيير ممن ألفوا النمط القديم وتارة تباطئ خطوها شحة الموارد وتزاحم الأولويات المعيشية الطارئة ..

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في العقبات المادية بل في القدرة على الحفاظ على شعلة الفكرة قائمة وترجمة الشعار الى كيان مؤسسي راسخ والزخم العاطفي الى أداء مستدام والعموميات الى تفاصيل إجرائية قابلة للتطبيق ..

وهنا ينكشف الجوهر الذي تبنى عليه التحولات التاريخية الصادقة إذ لا يمكن لأي خارطة عمل أو مشروع قيادي أن يكتب له العبور الآمن ما لم يستند الى صريح الصدق مع الله ثم مع الوطن صدق يترفع عن المواربة ويثبت حين تتلاطم الأزمات ..

إن نجاح المسارات الكبرى يقتضي بالضرورة توفر إرادة حاسمة إرادة تمتلك الشجاعة الأخلاقية والسياسية لعدم الاستمرار في الخطأ والجرأة على مراجعة الذات وتصحيح المسار فور اتضاح الخلل لأن الإصرار على العثرات بحجة المكابرة هو التهديد الأكبر لثقة الجماهير ..

كما أن قوة الهياكل المترابطة لا تستمد من التكتلات الضيقة ولا من منطق المحاصصة والمجاملات التي تستنزف روح المؤسسات ..

ان أسرع الطرق لإخصاء الهياكل الإدارية وتفريغها من مضامينها الوطنية هو الارتهان للعلاقات الأسرية أو الولاءات الحزبية أو الاصطفافات الشللية وارتهان مراكز القرار لمصالح القبيلة والدوائر المغلقة إذ ان ارتهان البناء المؤسسي لهذه الأطر الضيقة يفرز بيئة طاردة للعقول ويستبدل شرط الكفاءة بمعيار القرب والانصياع فيتحول العمل الوطني من مشروع استراتيجي جامع الى ساحة لتقاسم النفوذ وتوزيع الغنائم ..

ان خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الفشل الإداري فحسب بل تمتد لتنخر في عصب المشروع ذاته فتصيب مفاصله بالشلل وتصنع جدار عازل بين القمم والقواعد مما يضعف كفاءة البناء المؤسسي ويعطل فاعليته لصالح رغبات فئات محدودة تقتات على حساب المصلحة العامة ..

ان التأسيس العادل والصلب يستوجب قطيعة كاملة مع هذه التشوهات ليكون المعيار الوحيد هو تقديم الكفاءة والخبرة والنزاهة على الروابط الضيقة عبر إفساح المجال أمام الطاقات الوطنية المؤهلة وإسناد الأمور إلى أهل الدراية والخبرة ممن تتكامل فيهم براءة الذمة مع سداد الرأي وتغليب الحقيقة الوطنية على ما دونها في سائر الاستحقاقات ..

وحين تتجسد المكاشفة والشفافية عبر التواصل المستمر والمباشر مع الشعب بوصفه الحاضنة والشرعية والغاية يتخلق جدار صلب من الثقة والارتياح لا تهزه العواصف ..

ان التاريخ يخبرنا دوماً بأن سلامة المقاصد وحدها لا تصنع حقيقة والمشاريع الكبرى لا تقاس بحجم الحماس الذي رافق انطلاقتها بل بمدى صمود هياكلها وقدرة قيادتها على تطويع الأزمات والتعلم من العثرات والعبور بالرؤية من شاطئ الأحلام إلى مرافئ الإنجاز ..


18أكتوبر2026م