الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 - الساعة 08:57 م
كان يُفترض أن يكون هذا الملعب ميداناً للتنافس الشريف، وفضاءً للتسابق على بناء الأوطان، حيث تلتقي الأفكار وتتصارع البرامج في معركةٍ عنوانها الوطن لا الأناني.
ملعب السياسة في المناطق المحررة، ذلك الفضاء المفتوح على مصراعيه، حيث يتدفق إليه كل يوم لاعبون جدد الى ملعب غيرهم ، لا يعرف أحد ألوان قمصانهم بلا مدرب محترف ولا جمهور وفي ، ولا يدرك أحد أسمائهم، ولا يفقه أحد انتماءاتهم.
يدخلون من أبواب يظنونها خلفية، ويغادرون من أخرى يسمونها استراتيجية، دون تشكيل واضح، ودون خطة مرسومة، وكأنهم في رقصة عبثية لا تعرف النهايات.
ثم تمر أيام، فيعاد إرسالهم إلى الميدان من جديد، يحملون أوراقاً بيضاء، يكتبون عليها ما يشاؤون، لكنهم لا يكتبون أبداً سؤالاً واحداً: لماذا نحن هنا؟ وأين نمضي؟ إنه الملعب الذي يفرغ كل صباح من لاعبيه، ثم يمتلئ بغيرهم في المساء، وكأن السياسة عندنا لعبة أطفال لا هدف لها سوى الإبقاء على الحركة، أي حركة، في غياب البوصلة والمشعل.
السياسة بلا ضوابط ... مباراة بلا حكم
في كرة القدم، وضع المشرعون القانون لتحقيق ثلاثة أهداف واضحة: العدالة، الإثارة، المتعة. ولهذا وُجد الحكم، ولهذا وجد قانون كرة القدم ووُجدت "الفيفا" كمرجعية عليا، ولهذا أصبحت الملاعب ساحات للنظام لا للفوضى.
يخطئ اللاعب فيُعاقب، ويتجاوز أحدٌ على أحدٍ فيُشهر في وجهه الكرت الأصفر ثم الأحمر. وبعد تسعين دقيقة يتصافح الجميع، لأن الجميع يعرف أن هناك قانوناً يحكم اللعبة، ومرجعية تفصل في النزاع، وعيناً تراقب فلا يفلت عابرٌ من عقاب.
وفي الشارع أيضاً قانون "قانون المرور" وُضع لهدف واحد هو منع تصادم وتزحام الآليات وحماية الأرواح. إشارة تقف عندها، وخط لا تتجاوزه، ومخالفة تدفع ثمنها.
لأن غياب القانون هنا يعني دماءً تُراق، وأجساداً تتهاوى، وعائلات تندب.
لكن المأساة أن هذا كله غائب في ساحتنا السياسية، وعلى وجه الخصوص في المناطق المحررة.
غائبٌ لأن المشروع السياسي مفقود، كمن يلعب بلا مرمى ولذا من الصعوبة أن تحسم المباراة بالأهداف.
غائبٌ لأن أسس التحالفات هشة كبيوت العنكبوت، تُبنى اليوم وتهدم غداً بنفس اليد. غائبٌ لأننا نلعب مباراة بلا حكم، وبلا قانون ينظم قواعد اللعبة، وبلا بطاقة حمراء تردع المعتدي.
في غياب ضوابط اللعبة السياسي وقواعدها الناظمة، يصبح التنكر للماضي بطولة، ويصبح الغدر بالرفيق ذكاءً سياسياً، ويصبح هدم التحالف تكتيكاً بارعاً، ويصبح اختزال الهيئة بشخص أو أشخاص عبقريةً تنظيمية، واحتكار القرار ضرورةً وطنية، وتهميش الهيئات حكمةً قيادية.
لا أحد يُسأل من المخطئ؟ ومن المصيب؟ وكأن التاريخ صفحة بيضاء نكتبها كيف نشاء، وكأن الغد ليس وريثاً لأمس.
وهنا يبرز الدور الأكثر إيلاماً دور الإعلام.
ذلك الحكم الرابع الذي يفترض فيه أن يكون عيناً نزيهاً ورقيباً أميناً، تحول في غياب المرجعية إلى مكبر صوت للفوضى، ومعلقٍ متحمس لا يحلل اللعبة بقدر ما يضرم النار بين اللاعبين. بدلاً من أن يفضح المخالفات ويصحح المسار، بات يضخم الهفوات، ويطمس الحقائق، ويحوّل الاختلاف في الرأي إلى خصومة دموية، والتنافس الشريف إلى حرب إعلامية مكشوفة.
إنه ليس مرآة للواقع، بل عدسة مكبرة للعيوب، تزيّن الباطل أحياناً، وتشوّه الصورة دوماً، فتُضلّ الرأي العام وتجعل من الساحة السياسية فوضى مضاعفة، حيث لا حكم يسمع، ولا معلق ينصف.
وإذا انتقلنا إلى اللاعبين أنفسهم، أي القوى السياسية الفاعلة، وجدنا مشكلة أعمق.
بعضهم لا يفقه شيئاً في أدوات السياسة وآلياتها، يدخل الملعب كمن يركض خلف السراب، لا يفرق بين التسلل والتمرير السليم ولا بين الخصم والصديق، ولا يميز بين المناورة والمراوغة ، ولا بين الضربة الحرة المباشرة والغير مباشرة .
يظن أن السياسة مجرد شعارات تلهب المشاعر، لا علمٌ له أصوله وفنٌ له ضوابطه.
وفي الجانب الآخر، ثمة من يمتلكون المعرفة النظرية، ويحفظون قوانين اللعبة وبصيغون ضوابطها عن ظهر قلب، ويعرفون كيف تُصنع التحالفات وتُبنى التوافقات، لكن أيديهم ترتجف حين تلامس الكرة، ويخونهم التطبيق العملي في لحظة الحقيقة.
فهم كالقائد الذي يحفظ خرائط المعركة لكنه يضل الطريق حين تهل الضبابية. يملكون البوصلة لكنهم يجهلون قراءة الاتجاهات، فيظل العلم حبيس النظريات، والممارسة أسيرة التردد، فلا المنهجُ راسخ، ولا التنفيذُ محكم.
وهكذا، ومع تراكم هذا الخلل في كل مفاصل اللعبة، يصير انسداد الأفق السياسي قدراً طبيعياً لا مفرّ منه، ونتيجة حتمية لهذه المعادلة المعطوبة.
كمن يسير في صحراء قاحلة دون نجم يهتدي به، أو كمن يبحر في لجة بحر هائج دون منارة ترشده، وكطالب علم أغلقت أمامه كل المكتبات. إنه الأثر الطبيعي لفوضى القوانين، وارتباك اللاعبين، وتيهان الحكم، وضجيج المعلقين.
فلا يمكن لرؤية أن تنجلي، ولا لأفق أن ينكشف، في غياب المشروع الذي يحدد الوجهة، والقانون الذي يرسم الطريق، والإرادة التي تشق ظلمة المجهول. إن انسداد الأفق ليس عيباً في عيوننا، بل هو مرآة تعكس تشوّه الواقع السياسي الذي نعيشه.
وتقول حكمة السياسة الخالدة: إن قاموسها الحقيقي لا يعترف بمفردة "مستحيل"، فكل شيء ممكن بالإرادة الصادقة، والعمل الجماعي، والتخطيط الواعي.
التاريخ لم يُصنع يوماً بكلمة "لا"، بل بعزائم لا تلين وقوانين تنظم الطموح.
لكن المفارقة المرّة في واقعنا المشوه، أن غياب قواعد اللعبة السياسية وضوابطها هو من استدعى هذه الكلمة البغيضة إلى صدارة المشهد.
ففي ظل الفوضى، تصبح "المستحيل" هي العنوان العريض لكل حلم، والغطاء الفضفاض لكل تقصير.
بينما هي في حقيقتها ليست نتاج قدرٍ محتوم، بل نتاج فوضى تنظيمية، وغياب مرجعية، وتشظٍ تحالفي، وانسداد أفق ناتج عن تراكم كل هذه العيوب.
فإذا أردنا حقاً أن نمحو هذه الكلمة من قاموسنا، فعلينا أولا أن نكتب فيه قواعد اللعبة السياسية ومرجعياتها بحروف من نور.
كرة القدم علمتنا أن اللعبة بلا قانون وبلا حكم تتحول إلى شجار يعمّ الملعب.
والمرور علمنا أن الطريق بلا نظام يتحول إلى مقبرة متنقلة.
فمتى ندرك أن الوطن بلا مشروع سياسي جامع، وبلا تحالفات راسخة كالجذور، وبلا إعلام رشيد، وبلا قوى سياسية واعية في الفهم والتطبيق، سيتحول إلى فوضى عارمة يدفع ثمنها الجميع، ولا ينجو منها أحد؟
نحن لا نحتاج معجزات تغير قوانين الكون. نحتاج فقط "لقواعد لعبة" سياسية ناضمة، وضوابطها واضحة ، ونصوصها مقروءة، ومرجعيته معروفة، وعقوباته نافذة.
قانون يحمي العدالة، ويحفظ التنافس الشريف، ويعيد للعمل السياسي قيمته ومعناه، ويجعل من الخصومة تنافساً لا حرباً، ومن الاختلاف تنوعاً لا تمزقاً.
حتى ذلك الحين... سنظل نخسر جميعاً. والجمهور الذي يصفر في الملاعب، سيواصل الصفير في شوارعنا.
والكرة التي تدور هناك، ستبقى عقارب الساعة هنا تدور بلا هدف، نردد في كل مرة أن "المستحيل" ليس قدراً سياسياً، بل هو نتاج غيابنا عن رشدنا وقانوننا، وانسداد أفق اخترناه بعشوائيتنا، قبل أن تفرضه علينا الظروف.