الأحد - 09 أغسطس 2026 - الساعة 09:50 م
لا أكتب عن السعودية من موقع الخصومة العابرة، لكنني أكتب من وجع شعبٍ رأى الغدر بأم عينيه، شعب رأى كيف تحول من حليف انتصر للمشروع العربي _المزعوم_ إلى خصم متهم، ومحاصر بصواريخ وقنابل تحرق شبابه وعتاده وأرضه عبر طائرات F16 , وكأن كل ما قدمه لم يكن له قيمة وهذا هو الجرح الحقيقي في علاقتنا بالسعودية
لم يكن الجنوبيون ينتظرون مكافأة على دمائهم، فقط كانوا ينتظرون ألا يُكافأوا بالخيانة والغدر؛ ففي حضرموت، حين استُهدفت قواتنا الجنوبية وهي على أرضنا شعرنا أن المسألة تجاوزت الخلاف السياسي، وعندما سعت السعودية إلى تفكيك القوات الجنوبية التي صنعت حضورها من الميدان، ليُعاد ترتيب المشهد بما يضعفها ويشتت قدرتها، لا يستطيع أحد أن يقنعنا بأن الأمر مجرد ترتيبات إدارية٠
وعندما تتحول رموزنا السياسية إلى مادة للتشويه والتخوين، فإن الرسالة التي تصل إلى الناس ليست رسالة شراكة، بل رسالة معناها .. كن معنا حين نحتاجك، لكن لا تكن قوياً بما يكفي لتفرض احترام قضيتك، وهذه ليست شراكة بل وصاية غير مقبولة، وعندما تصبح الرياض سجن يُحتجز فيه الوفد الجنوبي الذي ذهب إليها بدعوة من السعودية للتفاهم خلافاً للمواثيق والأعراف تكون المفارقة موجعة؛ وفدٌ يذهب إلى عاصمة دولة يفترض أنها راعية للحوار، فيجد نفسه تحت الإقامة الجبرية للشهر الثامن
لذلك لم يعد السؤال الآن ماذا تريد السعودية من الجنوب؟ بل كيف تنظر السعودية إلى الجنوبيين؟ كشركاء؟
أم كأدوات يجب أن تبقى تحت السيطرة؟
وهنا يجب أن نتوقف
...لأن ما يؤلم الجنوبي ليس فقط ما حدث، وإنما الطريقة التي يُراد بها أن ينسى ما حدث٠
يُطلب من الجنوبي أن ينسى من وقفوا في الميدان، ينسى الدماء، ينسى تضحيات القوات الجنوبية، ينسى الذين قاتلوا الحوثي والإرهاب على الأرض، ينسى رموزه ،ينسى قضيته٠٠
ثم يُطلب منه أن يثق بالضب السعودي، ولا يعلم السعودي أن الثقة ليست زر جوال أو حاسوب يُضغط عليه، الثقة ليست شريط من الحبوب يشترى بالريالات، الثقة ذاكرة، والجنوبي ذاكرته قوية و ليست ذاكرة ضب أو سمكة .
وشعبنا رأى من قاتل معه، ورأى من تركه، ورأى من ضغط عليه، ومن حاصره في قوت أطفاله، ورأى من حاول تفكيك قوته، ومن حاول حل مجلسه، ورأى من أراد تحويل قضيته إلى مجرد ملف تفاوضي يُفتح ويُغلق بحسب الظروف٠
ولهذا فإن السعودية ارتكبت خطأً تاريخياً عندما ظنت أن المال يستطيع محو هذه الذاكرة، المال لا يستطيع، والضغط لا يستطيع، والإعلام السعودي الممول بالمليارات لا يستطيع.
نعم، لا يستطيع أحد أن يقنعنا بأن ما عاشناه في يناير 2026 م وقبل ذلك اليوم وبعده لم يحدث.
لقد كان بإمكان السعودية أن تصنع من الجنوب شريك استراتيجي حقيقي، وأن تكسب شعب يعرف معنى الوفاء والخطر على حدودها، ويعرف معنى الحرب، ويعرف معنى أن يكون لك جار مستقر بدل أن يكون لك خصم غاضب؛ لكنها اختارت طريق السيطرة بدل الشراكة؛ وطريق الاحتواء بدل الاعتراف،وطريق إضعاف الحليف بدل تقويته.
و المفارقة الكبرى أن السعودية التي تريد من الآخرين أن يدافعوا عنها، هي نفسها التي جعلت بعض من كان يمكن أن يكون سنداً لها يشعر بأنه مستهدف منها.
أصبحت السعودية تبحث عن الحماية والتحالفات والدعم من قوى إقليمية ودولية و وربما هذا من حقها كدولة لأنها لا تمتلك رجال يدافعوا عنها، لكن من حقنا أن نسأل ماذا صنعت السعودية بالجنوبيين والإماراتيين الذين كانوا يقفون معها على الأرض؟ وكيف تطلب من الآخرين أن يكونوا أوفياء، وهم يعرفون كيف تعاملت مع حلفاء الأمس وكأن ولاءهم جريمة ، كيف تريد أن يغامر الآخرون من أجل أمنها، وهي تجعل الحليف يفكر ألف مرة قبل أن يثق بها؟ هذه ليست مشكلة قوة عسكرية، هذه مشكلة ثقة سياسية، والدولة التي تخسر ثقة حلفائها، مهما كان حجم خزائنها، تصبح مضطرة إلى شراء ما كان يمكن أن تحصل عليه بالاحترام.
لكن المال يشتري السلاح، يشتري الخدمات، يشتري مواقف بعض الأشخاص، ولا يشتري ثقة شعب، وهنا تحديداً نقول للسعودية: لا تخطئي في قراءة الجنوب، الجنوبي ليس عدوك لمجرد أنه يريد استعادة دولته أو الدفاع عن قضيته، وليس خائنا لأنه يرفض الوصاية،وليس متمرد لأنه يريد أن يكون صاحب قرار في أرضه، وليس تابع لأنك قدمتِ له دعماً في مرحلة من المراحل هو من عائدات ثروته ثرواته المنهوبة
والشراكة لا تعني أن يتنازل أحد عن كرامته، والتحالف لا يعني أن يصبح طرفٌ سيد والآخر تابع
لقد أخطأت السعودية حين ظنت أن الجنوبي يمكن أن يُكسر، الجنوبي قد يُحاصر، لكنه لا ينسى، قد يُضغط عليه، لكنه لا يتنازل عن ذاكرته، قد يخسر جولة، لكنه لا يدفن قضيته، وما يوجع أكثر أن السعودية، بدل أن تفهم هذه الحقيقة، اختارت في لحظات كثيرة أن تواجه الجنوب من موقع القوة وهنا تكون الرياض قد بدأت تدفع ثمن هذا الخيار، ليس لأن الجنوب يريد إسقاط السعودية، لكن لأن الظلم يصنع مسافة، والمسافة تصنع الشك، والشك يقتل التحالفات قبل أن تبدأ الحرب٠