كتابات وآراء


الإثنين - 27 يوليو 2026 - الساعة 10:38 م

كُتب بواسطة : علي سيقلي - ارشيف الكاتب



منذ تدخلها في اليمن، راهنت المملكة العربية السعودية على أن الحسم العسكري سيعيد رسم المشهد السياسي بما يحقق أمنها ومصالحها الاستراتيجية. غير أن سنوات الحرب الطويلة أثبتت أن ما بُني على رهانات متفائلة اصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، حتى بات السؤال اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: إلى أين تتجه السياسة السعودية في اليمن؟
لقد تنقلت الرياض بين تحالفات ومواقف متباينة؛ فمن شراكة وثيقة مع دولة الإمارات في بداية الحرب، إلى تباعد في الرؤى والأولويات، ثم إلى انفتاح على مسارات تفاوضية مع الحوثيين، بالتزامن مع توتر في العلاقة مع قوى يمنية كانت تعد شريكًا في مواجهة المشروع الحوثي، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي.
هذه التحولات تفرض تساؤلات لا يمكن تجاوزها: من الذي يقف خلف رسم هذه السياسات؟ ومن الذي أوحى للقيادة السعودية بأن توسيع دائرة خلافاتها مع شركائها السابقين سيمنحها نفوذًا أكبر؟ وهل من الحكمة أن تخسر المملكة حلفاء وقفوا معها في أصعب مراحل الحرب، بينما لا تزال تبحث عن مخرج من مستنقع استنزف المال والوقت والجهد؟
إن السياسة ليست فن صناعة الخصوم، بل فن المحافظة على الحلفاء. وكلما ضاقت دائرة الأصدقاء، اتسعت دائرة الأعباء. ولذلك فإن أي دولة تسعى إلى تحقيق مصالحها الاستراتيجية تحتاج إلى بناء الثقة مع شركائها، لا إلى فتح جبهات خلاف جديدة معهم.
وفي المقابل، يبرز سؤال أكثر أهمية: على من تراهن المملكة اليوم؟ وهل ما زالت تعتقد أن القوى اليمنية المنضوية تحت مظلة الشرعية، بما تعانيه من انقسامات وتباينات وضعف في القرار، قادرة على تحقيق ما عجزت عن تحقيقه طوال سنوات الحرب؟ وهل يمكن لأدوات سياسية وعسكرية أثبتت محدودية تأثيرها أن تصنع نصرًا حاسمًا في معركة بهذا التعقيد؟
ثم ماذا ستجني السعودية من استمرار المواجهة مع جارٍ أنهكته الحرب، ولم يعد لديه ما يخسره؟ فالحروب التي يدخلها طرف يملك كل شيء، وآخر فقد معظم ما يملك، لا تنتهي غالبًا بانتصار واضح، بل تتحول إلى حروب استنزاف يدفع الجميع ثمنها.
لقد أثبتت التجارب أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إنهاء الصراعات المعقدة، وأن السلام المستدام لا يولد من فوهات البنادق، بل من تسويات سياسية تراعي مصالح الجميع وتحفظ استقرار المنطقة.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله: من الذي يقود بوصلة القرار السعودي في اليمن؟ ومن الذي أقنع المملكة بأن توسيع دائرة خلافاتها مع من كانوا حلفاءها سيحقق لها مكاسب استراتيجية؟
إن من يدفع القيادة السعودية إلى انتهاج هذا النهج في التعامل مع جارٍ كان شريكًا وحليفًا، لا يخرج عن أحد احتمالين: إما أنه يفتقر إلى قراءة سياسية ناضجة، فيقدم لها نصائح تزيد أزماتها تعقيدًا، وإما أنه يحمل من الضغينة ما يجعله يدفعها نحو خيارات تستنزف قوتها وتبدد مكانتها. فالدول العاقلة تُبنى سياساتها على الحكمة وبعد النظر، لا على ردود الأفعال، ولا على الحسابات التي توسع دائرة الخصوم وتضيّق مساحة الأصدقاء.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن السلاح وحده لا يصنع سلامًا، وأن الرهان على تحالفات هشة أو أدوات منقسمة لا يحقق استقرارًا دائمًا. كما أثبتت أن اليمن لا يمكن أن يكون ساحة مفتوحة لتجارب السياسة أو لتصفية الحسابات الإقليمية، لأن الخاسر الحقيقي في نهاية المطاف ليس طرفًا واحدًا، بل الجميع.
فإذا كانت أكثر من عشر سنوات من الحرب لم تُنتج نصرًا حاسمًا، فما الضمانة بأن السنوات القادمة ستفعل؟ وما الذي ستكسبه المملكة من استمرار حرب لا يبدو في أفقها منتصر، بينما تتراكم الخسائر وتتسع رقعة الدمار؟
إن الحكمة السياسية لا تُقاس بعدد المعارك التي تُخاض، بل بعدد الأزمات التي تُمنع قبل أن تتحول إلى حروب. وربما آن الأوان لأن ينتصر صوت العقل على صوت المدافع، وأن تُراجع الحسابات بعين الدولة لا بعين المستشار، لأن التاريخ لا يرحم القرارات التي تُبنى على سوء التقدير، ولا يغفر الحروب التي كان يمكن تجنبها، ولا يكتب المجد لمن ينتصر على أنقاض وطنٍ ممزق.

الإثنين الموافق 27 يوليو 2026