الثلاثاء - 16 يونيو 2026 - الساعة 10:24 م
المتابع للسياسة السعودية في اليمن قد يصاب بالارتباك للوهلة الأولى بسبب ما يبدو من تقلبات حادة في المواقف والتحالفات؛ فمن كان عدوًا بالأمس قد يصبح حليفًا اليوم، ومن كان حليفًا قد يتحول إلى خصم عند تغير الظروف. لكن عند النظر إلى المشهد من زاوية أوسع، يتضح أن ما يتغير هو الأدوات والوسائل، أما الهدف الاستراتيجي فيبقى ثابتًا.
فمنذ نشأة الدولة السعودية الحديثة، شهدت العلاقة مع اليمن تحولات متناقضة ظاهريًا؛ من الحرب مع الأئمة ثم التفاهم معهم، إلى دعم الملكيين ضد ثورة سبتمبر 1962، ثم رعاية تسوية دمجت الجمهوريين والملكيين في نظام واحد. وبعد ذلك دعمت المملكة أنظمة الحكم المتعاقبة في صنعاء، وأبدت تعاطفًا مع الجنوب خلال أزمة الوحدة عام 1994 دون أن يصل ذلك إلى مستوى تمكينه من استعادة دولته. كما احتضنت المعارضة الجنوبية بعد الحرب، ثم تخلت عنها عندما انتفت الحاجة إليها عقب اتفاق الحدود مع صنعاء.
وفي مرحلة ما بعد 2011، تخلت عن حليفها التقليدي علي عبدالله صالح عندما تغيرت موازين القوى، وتحالفت مع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، ثم قادت تحالفًا عسكريًا ضد الحوثيين تحت شعار استعادة الشرعية. لكن مع تغير الظروف الإقليمية والدولية، خصوصًا بعد الاتفاق السعودي الإيراني، وانتقال الأولوية السعودية من المواجهة إلى التهدئة، تحولت السياسة نحو البحث عن تفاهمات مع الحوثيين أنفسهم.
كل هذه التحولات قد تبدو متناقضة، لكنها في جوهرها تعكس ثبات هدف واحد: الحفاظ على اليمن ضمن دائرة النفوذ السعودي، بغض النظر عن شكل النظام أو هوية الحاكم.
فالسعودية لم ترتبط تاريخيًا بتيار سياسي أو أيديولوجية معينة داخل اليمن؛ دعمت الملكيين والجمهوريين، وتحالفت مع قوى متناقضة، وخاصمت حلفاء سابقين عندما اقتضت مصالحها ذلك. أما المعيار الثابت فكان دائمًا مدى قدرة أي سلطة يمنية على البقاء ضمن المجال الحيوي السعودي وعدم التحول إلى قوة مستقلة أو منافسة.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم جوهر الموقف السعودي من المشروع الجنوبي. فالقضية الجنوبية، في جوهر النظرة السعودية، لم تُتعامل معها بوصفها قضية شعب يمتلك حقًا سياسيًا وتاريخيًا في استعادة دولته وتقرير مصيره، وإنما باعتبارها ورقة ضمن شبكة معقدة من موازين القوى والتفاهمات الإقليمية. ولهذا ظل التعامل مع الجنوب محكومًا بمنطق إدارة النفوذ لا بمنطق الاعتراف بالحقوق.
فما يثير القلق الحقيقي ليس مجرد قيام دولة جنوبية مستقلة، بل قيام دولة تمتلك إرادة سياسية حرة وقرارًا سياديًا مستقلًا، تستند شرعيتها إلى شعبها لا إلى مظلات الوصاية الخارجية. مثل هذا الكيان من شأنه أن يكسر نمطًا استمر لعقود، كانت فيه مراكز النفوذ السعودية قادرة على التأثير في اتجاهات القرار اليمني والتحكم بمساراته السياسية والأمنية والاقتصادية.
وفي هذا السياق يمكن فهم التباين البنيوي بين المشروعين؛ فالسياسة السعودية تتعارض، من حيث الجذور والأهداف، مع الرؤية الجنوبية ومشروعها الوطني، كما تتباين مع تطلعات الجنوب ومصالحه الاستراتيجية في المنطقة. ولذلك فإن المسارين لا يلتقيان في مشروع مشترك أو رؤية متطابقة، باستثناء لحظات محددة تفرضها التحولات الجيوسياسية وتدفع الرياض إلى تبني مقاربات تكتيكية مؤقتة، كما حدث عام 2015. ومثل هذه اللحظات لا تعكس توافقًا استراتيجيًا بقدر ما تعبر عن “تحالف ضرورة” فرضته الظروف الإقليمية وموازين القوى في تلك المرحلة.
ومن خلال هذه الزاوية يمكن تفسير كثير من التطورات التي أعقبت عاصفة الحزم، وصولًا إلى الأحداث والتحولات التي شهدها الجنوب في يناير 2026، والتي كشفت حدود ذلك التقاطع المؤقت وأعادت إظهار التناقض الكامن بين مشروع يسعى إلى استعادة الدولة والقرار الوطني المستقل، وسياسة إقليمية تسعى إلى إبقاء اليمن، شمالًا وجنوبًا، ضمن منظومة النفوذ التقليدية.
وعليه، فإن قراءة السياسة السعودية من خلال تبدل التحالفات فقط قد تقود إلى استنتاجات مضللة، أما قراءتها من خلال الهدف الاستراتيجي طويل المدى فتجعل معظم هذه التحولات تبدو أكثر اتساقًا وفهمًا. فالأسماء تتغير، والتحالفات تتبدل، والوسائل تتطور، لكن الثابت الذي يحكم السياسة السعودية تجاه اليمن ظل حاضرًا عبر العقود: منع تشكل قوة سياسية مستقلة تمتلك قرارها السيادي خارج نطاق النفوذ السعودي. ومن هنا يمكن فهم أن جوهر الخلاف مع المشروع الجنوبي لا يتعلق بالأشخاص أو المراحل، بل بفكرة الاستقلال السياسي نفسها وما تمثله من خروج عن منطق الوصاية الذي حكم العلاقة لعقود طويلة.
وضاح علي ناشر