كتابات وآراء


الجمعة - 10 أبريل 2026 - الساعة 12:07 ص

كُتب بواسطة : علي سيقلي - ارشيف الكاتب


قبل أسبوع، أُغلِق حسابي على منصة X، وكأنني ارتكبت جريمة كونية لا تُغتفر.
 
وقبل أن أستوعب حيثيات “الحكم”، جاءني إنذار من Facebook يُعلمني بأنني موقوف إلى أجل غير مسمى… ليس لأنني كذبت، ولا لأنني حرّضت على عنف، بل لأنني—بكل بساطة—تحدثت عن السيادة.
في هذا الزمن العجيب، لم تعد السيادة شأنًا وطنيًا، بل صارت مادة قابلة للإبلاغ، تُصنّف تحت بند “انتهاك الخصوصية”، وكأن الأرض أصبحت حسابًا شخصيًا، لا يجوز لك حتى الإشارة إليه دون إذن من “مالك كلمة المرور”.

كتبتُ عن أنبوب نفط، مجرد أنبوب… لكنه يبدو أنه يمرّ هذه المرة فوق صدورنا، لا فوق أراضينا فقط. أنبوب لا ينقل النفط بقدر ما ينقل فكرة: أن هناك من يرى هذه الأرض مجرد ممر، لا وطن… مجرد خط عبور، لا كيان له حق الرفض.
المفارقة الساخرة أن الحديث عن “الانتهاك” أصبح هو الانتهاك نفسه.
تتكلم عن تعدٍّ، فيُقال لك: لقد تعدّيت!
تدافع عن أرضك، فيُقال لك: أنت تسيء!
تكتب عن السيادة، فيُقال لك: أنت تخالف المعايير!
أي معايير هذه التي تجرّم الصوت وتُحصّن الفعل؟
 
لسنا هنا بصدد خلاف عابر أو سوء فهم عابر، بل أمام نمط متكرر:
كلما ارتفع صوت يتحدث عن الجنوب، عن المهرة، عن الأرض، عن الحق… يتم التعامل معه كخلل يجب إصلاحه، أو ضوضاء يجب إسكاتها.
وكأن المطلوب ليس فقط الصمت، بل القبول… بل الامتنان.
أن تصمت، ثم تشكر.
 
المشكلة لم تعد في المنصات وحدها، فهذه أدوات لها سياساتها وتعقيداتها، لكن الأخطر هو ذلك المناخ الذي يجعل من طرح الأسئلة جريمة، ومن المطالبة بالحقوق تهديدًا، ومن التمسك بالسيادة سلوكًا “غير لائق”.
 
ما يحدث اليوم ليس مجرد تقييد حسابات، بل محاولة إعادة تعريف المفاهيم:
أن تتحول السيادة إلى رأي قابل للحذف،
والأرض إلى موضوع قابل للحظر،
والمواطن إلى مستخدم يجب أن يلتزم بشروط الخدمة… لا بشروط الوطن.
 
وهنا تكمن السخرية المؤلمة:
لم يعد السؤال: هل هناك انتهاك؟
بل: هل يُسمح لك بالحديث عنه؟
في الجنوب، لم تعد المعركة فقط على الأرض، بل على الرواية.
من يكتب؟
ومن يُسمع؟
ومن يُحجب صوته تحت ذريعة “المخالفة”؟
 
إن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تُمارس بالقوة فقط، بل تلك التي تُمرر عبر “السياسات”، حيث يصبح الحذف أكثر فاعلية من القمع، والصمت أكثر انتشارًا من الخوف.
ورغم ذلك، تبقى الحقيقة عنيدة.
قد يُغلق حساب، وقد يُحذف منشور، لكن الفكرة التي خرجت من رحم المعاناة لا يمكن حظرها.
والأرض التي نعرفها جيدًا، لا تحتاج إلى إذن لنقول إنها لنا.

قد ينجحون في إسكات الأصوات…
لكنهم لن ينجحوا في إقناع الأرض بأنها ليست لأهلها.