كتابات وآراء


الإثنين - 13 أبريل 2026 - الساعة 10:04 م

كُتب بواسطة : بلعيد صالح محمد - ارشيف الكاتب




الإفلاس السياسي لا يملك إلا لغة الاستفزاز، ولا يجد وسيلة للبقاء سوى صناعة الأزمات، هذا حالة السلطة في جنوبنا الحبيب المدعومة من الاحتلال السعودي المنفذه لأوامره المعوجة من قرارات إغلاق مقرات المجلس الانتقالي التي سقطت أمام وعي الناس ورفضهم، وصولاً إلى قرار القبض القهري على القائم بأعمال الأمين العام للانتقالي أ٠وضاح الحالمي، المشهد ذاته يتكرر سلطة تراهن على إخضاع شعبٍ أثبت، مرة بعد أخرى، أنه لا يُكسر ،
لقد جُرّبت هذه الوصفة مراراً لكنها لكنها فشلت، ومع ذلك، نرى أصرار هذه السلطة على إعادة التجربة، وكأنها لم تتعلم من كل صفعة شعبية تلقتها أكثر من مرة وفي أكثر من مكان آخرها السبت قبل الماضي في مليونية فتح المقرات، كأنها تعتقد أن إرادة الجنوب يمكن أن تُرهق، ونست أن الشعوب الحرة لا تعود إلى الوراء، وأن الوعي حين يولد لا تهزمه القرارات والشطحات

الأكثر إثارة للاستغراب، هو توقيت هذا القرار. ففي الوقت الذي يتحدثون فيه بوادر عن تهدئة تُبنى بين السلطة المحلية في حضرموت وانتقالي حضرموت، يأتي هذا الإجراء المتناقض في عدن ليهدم ما يُفترض أنه مسار عقلاني نحو تخفيف التوتر حسب زعمهم، أي منطق هذا الذي يدعو إلى التهدئة بيد، ويشعل النار ويوقظ الفتنة باليد الأخرى؟ وأي رسالة تُراد من قرار كهذا سوى تأكيد الارتباك، والارتهان للأوصياء الذين أثبتوا عجزهم عن قراءة الواقع عند الشعب الجنوبي الحر

أعود وأقول وضاح الحالمي مثل الكثيرون من خيرة أبناء هذا الشعب، يمثل حالة نضالية متجذّرة في وعي الشارع الجنوبي تشكّل على صلابة الموقف، لم يعتاد الخنوع و الانحناء حين كانت الرياح عاتية، ولم يُساوم في قضية وطنه حين كانت كلفة الموقف باهظة، وحين تراجع كثيرون إلى الظل، ظلّ في الواجهة، يدفع ثمن الموقف ولم يبدل بوصلته أو شريحته، لذلك، فإن استهدافه ليس استهداف لشخص وضاح الحالمي، بل محاولة لكسر نموذجٍ يتجسد فيه معنى الثبات، إنه من أولئك الذين لا تُقاس قيمتهم بما يُمنح لهم، بل بما يرفضون التنازل عنه، وحين تأتيه قرارات القمع من سلطة فاقدة للشرعية، فإنها لا تُضعفه، بل تُضفي على موقفه مزيداً من الشرف، لأن الرجل الذي يقف في صف قضيته في أصعب الأوقات، لا تهزّه قرارات تُصاغ في غرف الوصاية وخارج إرادة شعبه، بل تزيده يقيناً بأنه على الطريق الصحيح٠

وإذا كان البعض يظن أن استهداف الحالمي شأنٌ فردي، فهو واهم؛ فالمسالة أعمق من شخص الحالمي ، بقدرما هي استهدافٌ لكيانٍ سياسي، ولقضية شعبٍ يرى في هذا الكيان تعبيراً عن إرادته؛ لذلك، فإن الرد لن يكون محدود من قبل الحالمي كشخص، بل سيكون بحجم القضية التي تُمس، فالشعوب لا تتفرج حين يُستهدف صوتها، ولا تصمت حين يُراد لها أن تُقصى٠

وأكثر ما يكشف حجم هذا الإفلاس والمأزق الذي تعيشه هذه السلطة ومن يحركها هو عجزها عن الإيفاء بأدنى وعودها التي صدّعت بها الناس منذ ثلاثة أشهر فقط؛ فقد تحدّثت كثيراً عن وعود بتحسين الخدمات، وعن إنعاش الوضع المعيشي، وعن تخفيف معاناة المواطنين؛ لكن الواقع سار في الاتجاه المعاكس تماماً ، حيث تدهورت الخدمات أكثر، واشتدت الأزمات حتى باتت غير مسبوقة في قسوتها، وتحوّلت حياة الناس إلى معركة يومية مع الكهرباء والغاز والماء والرواتب والأسعار؛ وهنا تتعرّى حقيقة سلطة عاجزة عن بناء حياة، لا تملك الحق في مصادرة إرادة٠
ومن المفارقات المؤلمة أن القبض القهري في منطق الدول، يُفترض أن يُوجَّه نحو من يعتدي على الغير ، لا نحو من يدافع عن أرضه؛ لكن حين تختلط المعايير، يصبح ابن الأرض متهماً، ويُترك الغريب طليقاً يصدر الأوامر باسم هذه السلطة أو تلك، وهنا تحديداً تتكشف حقيقة المعركة ليست بين قانون وفوضى، بل بين إرادة شعب ومحاولات إخضاعه.
ولأن السخرية أحياناً أبلغ من الغضب، يمكن القول إن هذه السلطة كما يبدو عليها، كأنها تختبر حظها بعد كل رسالة شعبية واضحة ترفض ممارساتها، ومع ذلك، تستمر في اللعب بالخسارة، وكأنها لم تدرك بعد أن الشعوب لا تُدار بالتجريب٠