الإثنين - 12 يناير 2026 - الساعة 04:54 م
في ميزان الحقائق التي لا تستقيم الا بالنظر الثاقب، وفي فلسفة الوجود السياسي الذي تصطرع فيه الارادات، يبدو جليا ان المعارك لا تدار دوما بحد السيف، بل بحد اللسان الذي ينفث السم في العسل ، وان الحرب اليوم قد انتقلت من ساحات الوغى الى ساحات الضمائر، حيث يراد للانسان الجنوبي ان يكفر بذاته من خلال الكفر برموذه، وان ينفض يده من حلمه بقطع اليد التي تحمل لواءه. فما نشهده اليوم من حملات منظمة تستهدف قادة المجلس الانتقالي الجنوبي، وما يحاك حولهم من قصص الفساد المزعوم وفبركات نهب المال العام، ليس في حقيقته الا فصلا من فصول الردة السياسية التي تلبس ثوب العفة لتمارس الرذيلة الوطنية، وهي محاولة بائسة لزعزعة العقيدة السياسية في قلوب الجماهير، وتصوير القادة المفوضين وكأنهم تجار حروب يسعون لمصالح ضيقة، لا كحملة قضية مقدسة نذروا لها ارواحهم، فالهدف الاكبر من هذه الفرية ليس كشف فساد موهوم، بل ضرب القضية الجنوبية في مقتلها، واشاعة الياس في النفوس حتى يغدو الاستقلال حلما بعيد المنال، ومن ثم القبول بانصاف الحلول قدرا لا مفر منه، وصولا الى تهيئة المناخ لتصفية المجلس الانتقالي وابعاده عن المشهد بحجة التقويم والاصلاح، وهي في الحقيقة تصفية لارادة شعب قبل ان تكون ازاحة لافراد.
فالعقل اللبيب يدرك ان هذه التهم التي تفتقر الى السند وتفتقد الدليل ليست سوى صدى لمطابخ اعلامية تدرك ان قوة الجنوب في وحدة قيادته مع شعبه، فإذا ما انفرط عقد الثقة بينهما، سهل الانقضاض على المنجزات، والحقيقة التي لا مراء فيها ان هذه الفبركات لا تزيد عن كونها غبارا يثار لحجب الرؤية عن جوهر الصراع، وهو صراع بين حق الاستعادة وباطل الاستحواذ، ومن هنا نقول بلسان الصدق الذي لا يتلعثم، اننا لو وضعنا في كفة ميزان واحدة فسادا مفترضا لقادة وطنيين، وفي الكفة الاخرى استمرارا لاحتلال يمني جثم على الصدور، لرجحت كفة القادة وطابت، ذلك ان فساد الابناء يعالج في بيت العائلة بالتقويم والمحاسبة الداخلية، اما الاحتلال فهو الداء العضال الذي يحمل في احشائه كل موبقات الارض وافات الروح، ولا قياس في منطق الكرامة بين خطا في الادارة وضياع في السيادة.
ثم ان هذا المنطق المعوج الذي يحاكم قادة الانتقالي بتهم مرسلة، يغض الطرف تماما عن حكومة الشرعية التي تفردت بالقرار بعد ازاحة شريكها، وهي التي غاصت في وحل العبث والنهب واهدرت حقوق الشعب ومؤسساته جهارا نهارا، فكيف يستقيم في عقل او منطق ان يحل المجلس الانتقالي بتهمة هي في خصومه اصيلة وفي قياداته دخيلة، ولماذا يراد استئصال الكيان الجنوبي برمته بدلا من اصلاحه ان وجد فيه اعوجاج، بينما يترك الطرف الاخر يمارس غيه وعبثه دون حسيب، وهذا التناقض الصارخ يكشف ان النية مبيتة لتغييب الصوت الجنوبي الحر، وان الفساد ليس الا قميص عثمان الذي يرفع للمطالبة بدم القضية الجنوبية، ولكن هيهات ان تنطلي الحيلة على شعب شب عن الطوق، فالحق الجنوبي ابلج، والباطل الذي يتستر بالنزاهة لجلج، وسيبقى المجلس الانتقالي رمزا للارادة الشعبية التي لا تكسرها اشاعة ولا يفت في عضدها بهتان، مادام الشعب يدرك ان الحفاظ على الاداة هو السبيل الوحيد للوصول الى الغاية، وان التشكيك في القادة هو اول درجات الهزيمة التي لن يقبل بها احرار الجنوب ابدا.