اخبار وتقارير

الخميس - 05 نوفمبر 2026 - الساعة 09:20 م بتوقيت عدن ،،،

4 مايو/ خاص


كتب| د.يحيى شايف ناشر الجوبعي

حين تقرأ خريطة الوجع الراهنة في الجنوب العربي لا تكفي لغة السياسة العابرة لتفكيك طلاسمها ولا تراتيل التقارير لتفسير ما يجري ؛ فالمشهد أعمق بكثير من أن يختزل في لحظة غدر طارئة أو انقلاب تحالفات أو أوراق تقلب على طاولة الإقليم.
إننا هنا أمام جيولوجيا الصبر الجنوبي ؛ تلك الطبقات المتراكمة من التاريخ والمخزون الهائل من الدماء والعرق واليقين التي شكلت عبر عقود تحت ضغط الصخور الصلبة لا تذيبها رياح السقوط ولا تكسرها عواصف التآمر لتثبت يقينا أن هذا الصبر أقوى بكثير من كل زلازل الإقليم.
هذا الصمود الأسطوري لا يولد من فراغ ، بل يتكئ على جذور راسخة رسوخ الجبال.

ب-تحليل النص
تكشف هذه القراءة عما في بواطن النص من معاني ودلالات ضمنية من خلال إخضاع نقاطه المحورية للتحليل على النحو الآتي :

أولا :عراقة الذاكرة لجينات لا تعرف الانكسار .

إن الجيل الذي تجرع مرارة الغزو والتسريح والقهر إثر الحرب على الجنوب العربي من قبل قوى الاحتلال اليمني صيف ١٩٩٤م ، هو ذاته الجيل الذي زحف في فجر الحراك السلمي عام ٢٠٠٧م بصدره العاري ليتلقى رصاصات الطغاة في شوارع عدن كأنما يكتب بدمه وثيقة بقائه.
ظل هؤلاء القابضون على الجمر يروون شجرة الثورة بصبر طويل مذهل حتى أثمرت تلك السنوات الطويلة نواة للمقاومة المسلحة التي ألجمت المد الحوثي ومرغت أنفه بأول هزيمة كبرى على تراب الجنوب عام ٢٠١٥م ليشكل في العام ٢٠١٧ المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بقيادة الرئيس المفوض عيدروس قاسم الزبيدي رئيس الانتقالي والقائد الاعلى للقوات المسلحة الجنوبية كحامل سياسي للمشرع السيادي للجنوب العربي .
هذا التلاحم العضوي بين الإنسان والأرض يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الشارع الجنوبي ليس ورقة في مهب رياح المخابرات ولا كيانا هزيلا اصطنعه دعم عابر يزول بزواله ، بل هو حركة تحرر شعبية متجذرة تمتلك مناعة أبدية أنتجتها عقود من الظلم لتصنع منها درعا لا يقهر.

ثالثا: فلسفة الوجود ويقين انقلاب الزمن

أما حين ننظر إلى الأفق الأبعد وتحديدا إلى تقلبات السياسة ومكر الأيام فإننا ندرك أن التاريخ لا يسير في خط مستقيم وأن مشاريع الاستئصال والهيمنة تحمل في أحشائها بذور فنائها.
تلك الأطراف التي تتوهم اليوم قدرتها على هندسة الجغرافيا أو تجاهل إرادة شعب كامل إنما تغفل حقيقة سنن الكون ؛ فكل استبداد إلى زوال وكل ليل مهما طال فله فجر محتوم.
إن من استطاع أن يصبر على وجع السنين العجاف قادر بكل ثقة على الصبر حتى تنقلب الآية ؛ فهو يدرك بفطرة العارف أن القهر لا يبني دولة وأن حق الشعوب أصلب من جيوش الطغاة.

ج- الخلاصة
حين تكشف زلازل الإقليم عن أزماتها الذاتية وتتبدل موازين القوى الكبرى يظل أصحاب الأرض الحقيقيون هم الثابت الأبدي على هذا التراب الطاهر لأن جيولوجيا الصبر الجنوبي كانت وستظل دوما أقوى من كل هزاتهم .