الإثنين - 02 نوفمبر 2026 - الساعة 11:12 م
خلال حرب 2015م ، ووصول الغزو الحوثي العفاشي إلى عدن الحبيبة، حدثت قصص واقعية أغرب من الخيال. وحدثت من قبل شباب المقاومة في عدن، ملاحم بطولية تستحق أن تتحول إلى ملاحم أدبية.
وفي هذا المقام، أسرد عليكم قصةً ليست من بنات أفكاري المتخيلة، ولكنها قصة واقعية رواها لي أحد شباب المقاومة الذي عاش تفاصيلها وكان شاهداً عليها ومن شخصيات القصة نفسها.
لقد كان في مدينة التقنية في عدن، التي اقترب منها الحوثيون خلال تلك الحرب القذرة، رجل من أبناء الشمال –لا ندري هل هو حوثي أم متحوث– وكان يظهر كل يوم في شوارع التقنية أيام الحرب لبيع "المجلجل"، يحمل صحناً فوق رأسه فيه قطعة كبيرة من المجلجل تملأ الصحن، ويبيعه على الأطفال وغيرهم، في حين كانت التقنية مكتظة بالسكان، من أبنائها ومن أبناء مدن عدن التي نزحت إليها: مثل كريتر والمعلا، والقلوعة، والتواهي، وحتى من أطراف دار سعد ولحج.
التحم ذلك الرجل بالمواطنين، وكان منهم وفيهم، وكان يشتم ويسب الحوثيين الغزاة على مرأى ومسمع الناس، ويحضر الصلوات في المساجد، ويعرفه الكثيرون ومنهم شباب المقاومة.
صار وجوده مألوفاً بينهم ولم يشكوا فيه لحظة.
وكان يتبادلون الأحاديث عن الحرب، وعن المقاومة، وعن مواقعهم، وعن الخطط التي ينوون العمل بها ، من غير تحفظ أو حذر من جانبهم وكان ذلك الرجل يستمع ويلتقط ما يقولون عن قرب . فكان في النهار يبيع المجلجل في شوارع التقنية، وفي الليل يقصفهم أو يقصف هذه الأماكن من مواقع الحوثيين القريبة من التقنية، هذا ما عرفه الشباب فيما بعد.
وكانت الضربات تشتد ليلاً على منازل أصحاب التقنية، وعلى أماكن تواجد المقاومة، وعلى الأماكن التي رصدها نهاراً قائد الدبابة هذا. وكان الناس لا يعرفون هذا الأمر، ولم يشكوا في هذا الرجل الذي يرونه مسكيناً طالب الله. ولكن الله تعالى أراد أن يكشفه؛ لأنه قد خان العيش والملح، وتسبب في قتل الكثيرين وتدمير كثير من المنازل، في ضوء ما يراقبه ويرصده نهاراً وكأنه تخصص في التقنية نهاره وليله.
ولكن تبقى المسألة كيف يتسلل ليلاً إلى مواقع الحوثيين؟ وكيف يتسلل عائداً إلى التقنية ؟ هذه الأمور لم يدركها الذي روى لي القصة، ونترك للقارئ أن يتخيلها ويتوقعها.
وفي ليلة مظلمة من ليالي الحرب الظالمة التي شنت على الجنوب، ووصلت إلى عدن ، جهز الغزاة أنفسهم، وأسلحتهم الخفيفة والثقيلة ومقاتليهم وقرروا الزحف والاختراق للتقنية وما جاورها وكسر صمود المقاومة الاهلية،
فساروا في الظلام ولم يشعلوا أضواء عرباتهم وأطقمهم ومصفحاتهم ودباباتهم فقد دبوا دبيب اللصوص ، وكادوا يصلون إلى خطوط المقاومة ويلتحمون بها، ولم يشعر شبابنا المقاتلون إلا والعدو على بعد 100 متر تقريبا.
فانطلقت المواجهات في معركة غير متكافئة بسبب تفوق العدو بالعدد والعتاد ، وقد كان مقاومونا يملكون أسلحة خفيفة وأكثرهم من الشباب غير المحترفين عسكرياً يأتي في مقدمتهم الشباب السلفيون حسب رواية الشاب الطبيب.
صمد شبابنا صموداً، ولكن العدو كان قد أعد العدة وتزود بما فيه الكفاية لكي يخترق تلك الجبهة الصامدة. وبعد لحظات مصيرية تدخل طيران التحالف لضرب العدو، ولكن لم يكن لديه احداثيات دقيقة تميز بين جبهة المقاومة وجبهة العدو، فقد تداخلت أثناء المواجهة ،
فعندما تم الاتصال بقائد الجبهة، لم يستطع أن يحدد لهم على جوجل مكانه هو ورفاقه ومكان العدو.
قال لهم: "أنا لا أعرف اتعامل مع جوجل"، وحتى الذين كان من زملائه أو من رفاقه يعرفون أن يدخلوا على جوجل ويحددوا، ويرسلوا الإحداثيات، كانوا مرتبكين ، في لحظة المعركة، وأبلغ القائد الطيران أنهم خلف السور، ولكن أي سور؟ فهذه المعلومة لا تفيد !!
وعندما ألح الطيار بطلب الإحداثيات التي تحدد موقعهم من موقع العدو، قال هذا القائد الشاب الذي كان قليل الحيلة حينها، وأمام موقف حرج، وأمام تقدم للعدو، قال للطيران: "اقصفوا، اقصفوا حيث شئتم، اقصفوا في المواقع بشكل عام حتى إذا كان الضرب فينا لا يهم، فسواء كان الضرب فينا أو فيهم، أو فينا جميعا فلا بأس المهم أن يتوقف هذا الزحف والاختراق الخطير ، ولو كان هذا التوقف ثمنه استشهادنا جميعا لأن تقدم العدو كان مستمرا وستكون نتائجه كارثية على ما تبقى من مدن محررة في عدن .
و حين سمع شباب المقاومة كلمة قائدَهم للطيار، تراجعوا نحو مدينة التقنية خوفاً من ضرب الطيران؛ لأنه سيضرب بقوة بشكل عام من غير دقة.
وما أن تراجعوا بعض الشيء نحو مدينة التقنية، حتى انصبت صواريخ الطيران، ومن لطف الله أنها انهمرت على مواقع الحوثيين .. مواقع الغزاة المتقدمين، فلا ندري إن كان الطيار قد استطاع أن، يحددُهم، أو أنه ضرب بشكل عشوائي فوقع الضرب على الغزاة المتقدمين.
وفي أوج المعركة، وخلال قصف الطيران، كان ذلك الرجل الحوثي أو المتحوث يقود دبابتة ضمن القوة المتقدمة لاقتحام التقنية، التي عاش بين أهلها وباع واشترى، فهو الآن يبيع المدينة واهلها للشيطان، تحول من بائع مجلجل إلى بائع مدينة، ونفوس ومناطق وأطفال، تحول من المجلجل إلى المقلقل، ولم يكن أحدا يتوقع أنه ضمن تلك الأرتال العسكرية المقتحمة ليلا.
وعندما حمي الوطيس وزاد القصف على القوة المتقدمة واضاءت صواريخ الطيران المواقع شاهد بعض شباب المقاومة، وهم يتراجعون، شاهدوا رجلاً على مسافة يترجل من الدبابة ويتجه هارباً نحو التقنية، بينما كان رفاقه يهرولون إلى الخلف، ولكنه هرول نحو التقنية مثل شباب المقاومة على اعتبار أنه منهم وفيهم، ولكن أعين بعض الشباب كانت قد رصدته وتمكنوا من معرفته حين ترجل من الدبابة وجاء هاربا ،
وحين أصبح بينهم مثل ريشة في مهب الريح ،وجدوه أشعثًا ، مشعتلا حسب التعبير العدني وممزق الثياب، فقال لهم أنا كنتُ معكم ، كان لدي سلاح وكنت أقاتل معكم !!
وهؤلاء الحوثة كانوا قد تقدموا نحونا لولا ضرب الطيران
فقالوا له لقد رأيناك بأعيننا عندما ترجلت من الدبابة أنت كاذب وخائن ..حاول أن يدافع عن نفسه ولكنه لم يستطع إقناعهم، وأخيراً اعترف لهم بعد أن ضربوه كما يقول الراوي ، واعترف لهم بما كان يفعل وكيف كان يبلغ اصحابه وكيف كان يوجه تلك الدبابة ويضرب على الأماكن الحساسة التي كان يعرفها ، اعترف بكل شيء، وعندما سألوه هل هناك أيضاً خلايا نائمة في التقنية؟ قال لهم نعم، هناك عمارة فيها رجلان وامرأتان تطلق منها مدافع الهون خلال المعركة إلى أماكن مختلفة.
فهاجمت المقاومة تلك العمارة، ووجدت امرأتين توذدان إلى جانب الحوثيين!! ..تعملان مع الحوثيين ولم يجدوا الرجلين.
ووجدوا قواعد مدافع الهون ووجدوا في أسفلها كمية من التراب حتى لا يستمع صوتها بعد الإطلاق.
كان الشاب يروي لنا القصة وكان الصدق يبدو من كل حرف يقوله، وكان أحياناً يقوم ويمثل لنا بعض المواقف تمثيلاً حياً.
فلما سالناه ما مصير تلك المرأتين؟
وما مصير بائع المجلجل الذي تحول إلى مقلقل وإلى بيع العيش والملح ؟ قال: لقد تم إعدامهم في يوم مشهود ، واسألوا إن شئتم
أبناء التقنية !!
ملاحظة:
نؤكد أن نشر هذه القصة الواقعية هو بهدف العبرة والدرس وليس بهدف التحريض على جميع الاشقاء من الشماليين في عدن او في غيرها من مدن الجنوب.
انما اليقظة الامنية رسميا وشعبيا تبقى على اشدها أمام كل مشتبه من حيث كان !!